بقلم كاترين اودارد (استاذة فلسفة السياسة والاخلاق في معهد لندن للاقتصاد)
ترجمة عن الفرنسية: ميشال أ. سماحة (خبير إقتصادي إجتماعي)
في خضم التحولات التي يشهدها عالمنا العربي والإسلامي، يحتدم الصراع والنقاش الفكري بين الليبراليين من جهة والإسلام السياسي من جهة أخرى. هذا الصراع الفكري لا يختزل بالطبع غنى وتنوع الأفكار السياسية والإيديولوجيات الأخرى في مجتمعاتنا، لكنها تعبر عن الانقسام السياسي الأقوى والأعمق. فيما يخص الأفكار القومية واليسارية والإسلامية، ليس هناك من نقص في الكتابات والأبحاث والنقاشات. الملفت للنظر، أن هناك شح استثنائي في ما يخص الفكر الليبرالي، ويصار إلى اختزاله إلى أفكار اقتصادية تبسيطية. تهدف هذه المقالات إلى تسهيل النقاش الفكري والعلمي بين مختلف التيارات الفكرية، علنا نساهم في تعزيز النقاش الحضاري والمساهمة في بناء حوار وطني جاد يعزز من مكانة السياسة والثقافة في حياتنا.
“يجب علينا ابتكار حكمة جديدة لمرحلة جديدة” (Keynes) جون ماينارد كينز- 1925.
“بما أنّ الليبرالية تعطي أهمية كبيرة للتجربة، أدى ذلك إلى تقويم مستمر لأفكار الفردية والحرية، هذه الأفكار التي ترتبط بشكل وطيد بالتغييرات المؤثرة في العلاقات الاجتماعية” (John Dewey) جون ديوي، في مستقبل الليبرالية- 1935.
بين العام 1880 و 1920، ظهر حدث بارز في تاريخ الأفكار السياسية، يمكن أن يشكل عبرة للأزمة المعاصرة ومساهمة في تفسير الإخفاق الذي يصيب الأفكار الليبرالية. في الواقع، فإن الإيمان بفاعلية الأسواق راح ينهار تحت أثر الأزمة المصرفية عام 2008. ولكن، هل كان ذلك يشكل دائماً عنصر الأساس وحجر الزاوية لليبرالية؟
عرفت الليبرالية الكلاسيكية في نهاية القرن التاسع عشر أزمة كبيرة شبيهة بالتي نعيشها حاليا. فكما هو الحال الآن، تبدو الأفكار الليبرالية، التي قامت الحكومات المحافظة بتبسيطها واختصارها ووضعها بإطار محدود جداً يقوم على المدافعة عن آليات السوق وعن سياسة دعه يعمل(Laisser-faire) ، غير قادرة على المساعدة في حل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي ساهمت (وكما يبدو) هي في خلقها. كما هو الحال الآن، يسود الاعتقاد بان البديل الوحيد المتوفر، هو تدخل الحكومات في الحياة الاقتصادية على حساب الحرية.
ولكن ما يهم في الأمر، هو أنه بدلا من اندثارها تحت وقع الهجمات التي تعرضت لها، أعادت الليبرالية هيكلة نفسها بين عامي 1880 و 1920 وراحت تبحث عن العلاج للأزمة الإقتصادية والإجتماعية للثورة الصناعية الثانية. الملفت للنظر لدى مراقبتنا الدقيقة لتاريخ الليبرالية، هو أنه وبعيدا عن اختصارها بحرية الأسواق، فإن مفكري الليبرالية “الجديدة” سيقومون بإعادة هيكلة وتعزيز هذه المعتقدات الأساسية، بالإضافة إلى تعزيز وتعميم مبادئ تتعلق بالحرية الفردية وقيم المسؤولية الإجتماعية والتضامن والمساواة والصالح العام عن طريق كل أوروبا وصولا حتى إلى الولايات المتحدة الأميركية. هذا النموذج الليبرالي(Paradigme) هو ما نسعى لدراسته في الوقت الحالي، فضلاً عن الدروس الإيجابية التي يمكننا استخلاصها. ونظراً الى أنَ قدرتها على التحول والتطور مغذاة بالحس النقدي وبالخبرة العملية، تماماً كفلسفة الحرية التي ترفض كل انغلاق في أي إطار كان، يمكننا المراهنة والأمل في إمكانية إعادة إنتاج شكل جديد من أشكال الليبرالية بعيدا عن ادعاءات ومبالغات النيو-الليبرالية كالمغالطات التاريخية والدوغمائية التي تنميها الاشتراكية المعاصرة في أوروبا.
أزمات وتراجع الليبرالية الكلاسيكية
“يكمن العيب الرئيسي لليبرالية في عدم قدرتها على الإحاطة بالنسبية التاريخية (…). فالفرد هو عبارة عن ذرة (حسب مفهوم نيوتن)، على علاقة خارجية مع باقي الأفراد (…)هذا الشكل من أشكال الليبرالية تحول وأنتج ليبرالية زائفةPseudo-libéralisme (…) لتصبح بذلك فلسفة دعه يعمل Laisser-faire تعبر عن منطق وقانون طبيعي ” (John Dewey, Liberalism and Social Action, 1935).
هذه المقولة للفيلسوف الأميركي جون دوي تصف جيداً تطور الأفكار الليبرالية في مطلع القرن العشرين. خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، بدت الليبرالية قوة سياسية مهيمنة في أوروبا الغربية. انتصرت في إنكلترا مع قانون الإصلاح لعام 1832(Reform Act, 1832) الذي وسع حق الاقتراع. إبتداءً من العام 1939، حركة حداثوية وداعمة لحرية التجارة (Libre-échangiste) تعصف بالطبقة السياسية الإنكليزية مدعومة من الطبقات الوسطى، التجارية والصناعية المعادية للأرستقراطية العقارية Aristocratie) (Foncière مدعومة أيضا من الكنائس البروتستانتية غير المحافظة. بدأت فرنسا ابتداء من العام 1830 مع غيزو (Guizot) بتبني الوجهة الإنكليزية للملكية الدستورية، كما هي الحال أيضاً في ألمانيا، مع تقدم وانتشار الحزب الليبرالي. أما في الولايات المتحدة الأميركية فإن الإجماع حول لليبرالية بين الحزبين الكبيرين، يعود إلى تاريخ انتصار لنكولن عام 1861 و نهاية حرب الانفصال، ومنذ ذلك الحين لم يتغير الواقع.
بدأ الوضع يشهد بعض التغير مع نهاية القرن التاسع عشر. فدخلت الليبرالية الكلاسيكية في فترة من التراجع والانحدار بحيث بد أنّ ليس هناك علاج لمشاكلها. ابتداءاً من العام 1880، بات واضحاً بأن الأحزاب الليبرالية أصبحت غير متأقلمة ومنسجمة مع حقيقة المجتمع الحديث. فأنقسم الحزب الليبرالي الإنكليزي، أوسع الأحزاب نفوذا، انقساما قوياً، إلى ليبراليين “محافظين” أو الويغزWhigs، أتباع مدرسة مانشستر أرثوذكسيي حرية التجارة والامبريالية الاستعمارية من جهة، والليبراليين “المعتدلين”، والليبراليين “الراديكاليين” أو الإصلاحيين الذين دعموا التشريعات الاجتماعية، التي ستبصر النور عام 1906 بفضل دعم العمال، ومساندة حكومة لويد جورج الليبرالية، من جهة أخرى. فالحزب العمالي الذي تأسس عام 1893، وكان في البداية حليفاً لليبراليين، سوف يأخذ مركز الصدارة بعد الحرب العالمية الأولى ليصبح بذلك التشكيل السياسي الثاني في المملكة على امتداد القرن العشرين. وبدا أنّ الاشتراكية هي الإيديولوجية السياسية الوحيدة التي تحمل أملا بمستقبل واعد بعد عام 1918.
ما هي الأحداث التي أدت لتراجع الليبرالية الكلاسيكية، والتي أدت إلى ابتكار لليبرالية “الجديدة”؟
بداية، ستواجه الليبرالية الكلاسيكية نمو الديمقراطية الانتخابية، وانتشاراً تدريجياً للاقتراع العام في معظم الديمقراطيات الغربية الكبيرة، مما شكل تحدياً لها خصوصاً، أن لديها ارتياب تقليدي من الديمقراطية. خصوصاً وأن الليبرالية ستواجه تحولات الرأسمالية الصناعية والاستغلال العنيف للطبقة العاملة. تحولات ستدفع بالأخيرة إلى تنظيم نفسها بتناقض تام مع الأولى. لم تكن الليبرالية الكلاسيكية جاهزة للتعامل مع حالة الصراع الطبقي الناشئ، هي التي كانت تتصور المجتمع كشركة قائمة على التعاون السلمي والتبادل الذي يصب في مصلحة الجميع. إن الشروط الاجتماعية والاقتصادية والسياسة الجديدة لرأسمالية القرن العشرين، والوحشية والظلم الذين رافقا الثورة الصناعية الثانية، وانعدام الإنسانية لشروط العمل الجديدة كما وصفها وليم بليك ب (Satanic Mills- Fabrique du diable, William Blake)، اقتربت أكثر فأكثر من الدكتاتورية منها إلى مثالية عالمِ التجارة المسالم (Le doux Commerce) الذي شكل مصدر وحيٍ لليبراليي القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر.
في الفترة الأولى، أي بين عامي 1880 و1914، ظلت الليبرالية في انكلترا تغذي الصورة المثالية للرأسمالية ولوظيفتها، وظلت تحلل المجتمع الجديد الذي يتكون أمام أعينها، من خلال نفس المنهج الفردي. لم تدرك الليبرالية الطبيعة الخطيرة للضغوطات التي تمارسها الشركات المتعددة الجنسيات الكبيرة والمجتمع الرأسمالي التنافسي حيث العمل أصبح بحد ذاته سلعة، كما ولم تدرك تنامي الصراع الطبقي. ستقوم الليبرالية بالاهتمام برعايةwelfare الطبقة العمالية، متدخلةً بالقطاعات التي كانت من شأن العمل الخيري الخاص. فكان عليها إيجاد حلول وردود سريعة على التحديات التي طرحتها الماركسية والاشتراكية.
لكنَ إدراك المشكلة أتى متأخرا، فالنتائج الاجتماعية والاقتصادية للحرب العالمية الأولى ولأزمة عام 1929 ستضع نهايةً لأوهام الليبرالية. جميع جهود ألفريد مارشال(مبادئ الإقتصاد السياسي1920) وتخليه عن المالتوسية (Malthusianisme) وأطروحات ريكاردوRicardo، وإصراره على أهمية المستوى المعيشي العادل للعمال لتفادي الأزمات الاقتصادية، كل ذلك تخطته الأحداث، مثلها مثل الجهود التي نراها اليوم في أوروبا والتي تسعى لبناء تحالفات بين الليبراليين من جهة والعمال أو الاشتراكيين من جهة أخرى. انفجر التوافق الاجتماعي للحقبة الفيكتورية مؤكداً حقائق الصراع الطبقي ومعطياً الحق للماركسية وللإيديولوجيات الثورية. فالوقت لا يرحم، ولم يعد الوقت، وقت الإصلاح.
لم يعد الرأسماليون والعمال يتقاسمون القيم نفسها، مع تخطي الواقع للإيديولوجية الليبرالية التي استمرت تؤمن بمحورية دور الفرد. فدخلت الليبرالية بذلك في أزمة عميقة بالغة التعقيد مع انسداد الأفق.
مصدر الوحي لليبرالية “الجديدة”: جون ستيوارت ميل John Stewart Mill
وبشكلِ متناقض، حيث بدت الليبرالية فيه قوة من الماضي داخل أزمة لا أفق لها، بدأت الليبرالية تشهد تحولاً جذريا من ناحية أخرى. ففي كتاباته الأخيرة عن الاشتراكية، تطرق جون ستيوارت ميل إلى حقوق المرأة وعن الحكومة التمثيلية(Gouvernement représentatif) ، وفي فلسفته عن التنمية الذاتية كما وعن التقدم الاجتماعي، حيث نجد مصادر المنظومة الجديدة لليبرالية(Nouveau paragidme).
ميل و”الفردية”
بداية التغيير عند ميل بدأت مع تطوير وتغيير مفهوم الفردية المجردة(Lindividualisme abstrait) ومفهوم الفرد الثابت والذري (Lindividu statique, atomisé) ،إلى فردية دينامكية وتاريخية واجتماعية(Individualité) ، هي نتيجة تطور وصيرورة من التشكل والتمكين (Processus dindividuation et dautonomisation) . هذا المفهوم قام على بعدين: أولا أنّ الفردية(individualité) هي هدف ومشروع أكثر مما هي حالة ثابتة (état) ،هو مشروع تكوين الذات (, De la libertéعن الحرية، 1859). يعتبر ميل الفرد كائناً في تقدم وتحولٍ دائمين (être de progrès) .
البعد الثاني يتمثل بأن الفرد لكي يتطور ويعبر عن نفسه، هو بالضرورة بحاجة إلى الآخر: فهو كائن اجتماعي. على عكس الفردية الكلاسيكية، فالمفهوم الجديد يدخل العنصر الاجتماعي والعلاقة مع الآخر (الفرد والمؤسسات) في صلب مفهوم “الفردية”، سامحا لها بالتطور. إلا أنّ هذه العلاقة ليست علاقة حتمية وميكانيكية وعمياء.هنا يفهم المجتمع حسب نموذج التطور الفردي: هيكلياته ومؤسساته ناجمة عن التقاء وتوازن مثل الصراع بين مشاريع إنسانية (بطبيعتها إنسانية)، مشاريع جلية ولكن غير قابلة للتنبؤ. بالنسبة إلى ميل، ليس هناك من شيء ميكانيكي و”طبيعي” في “التقدم”. فالتقدم ليس مسيرة لا رجعة فيها نحو هدف واحد ومحدد، ولكنه نتيجة قرارات إنسانية معقدة.
ميل و”الحرية”
كما حَول ميل مفهوم الليبرالية الكلاسيكية للحرية. بالنسبة له، لا تكمن الحواجز أمام “الحرية” فقط من خلال القيود المفروضة مباشرةً من “الآخر” ولا بسبب العلاقات بين الأفراد أنفسهم أو بسبب فقط سوء استخدام سلطة الدولة، ولكنها تكمن أيضا، وبطريقةٍ غير مرئية، في الشروط الاجتماعية نفسها للوجود الفردي كما وفي اللامساواة في السلطات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. الحرية إذاً تفترض معرفة هذه العناصر والشروط الاجتماعية. سيوضع علم الإجماع الناشئ وعلم التاريخ في خدمة التحرر الإنساني. التوقف عن اعتبار وتفسير “الحرية” على أنها صفة “طبيعية” للفرد (ألما قبل اجتماعي -Présocial) وتحويلها لمفهوم علائقي واجتماعي ووضعي (Positif) يشمل وسائل وحرية الحركة كما والوصول إلى المصادر الاجتماعية، التي بدونها لا يمكن للفرد أن يحقق ذاته. إذاً ميل لا يختصر الحرية الفردية بحرية السوق/الأسواق فقط، ولكنه يدعو إلى تدخل السلطات العامة لمساعدة المهمشين، ويقبل بالأطر التي تنظم حقوق الملكية مع وضع حدود وضوابط، مطالباً بفرض ضريبة على التركة/الميراث، ومؤيداً الحركة التعاونية الناشئة.
ميل في الديموقراطية والاشتراكية
التحول الذي ادخله ميل إلى المفهوم الليبرالي للحرية الفردية سيشكل قاعدة لإعادة تأهيل جزئية للديمقراطية، ببعدها الأخلاقي(éthique) ، كالمجتمع الذي يصبو للخير العام ولسعادة الجميع. مجتمع يسمح بتنمية أفضل لطاقة كل فرد، من خلال احترام المساواة في الفرص(égalité des chances) من خلال مبدأ الديموقراطية القائمة على الكفاءة (Méritocratique). بشرط إعادة تعريف الحرية ليس على أنها حق مجرد وإنما على أنها العنصر الأساسي للوصول للسعادة وبهدف تحقيق الذات، والفردية (Individualisme)على أنها تحقيق لاجتماعية الفرد (Individualité)، وتصبح الديموقراطية بذلك النظام الأنسب لتحقيق القيم الليبرالية والتعبير عنها.
إذا، فالفكر الاجتماعي لميل وتناغمه مع الإشتراكية في نهاية حياته، ومدافعته عن الحركة التعاونية، سيحدث تأثيراً بالغاً على الليبرالين الجدد. تُثبت كتابات ميل عن الاشتراكية تأثراً أكثر فأكثر بتطور الاشتراكية، وبضرورة إيجاد ليبرالية جديدة، أكثر اجتماعية، وأكثر وعيا لضرورات التضامن والعدالة والمساواة في عالمٍ متغير، عالم يسوده اللامساواة حيث أصبح التعاون فيه أمراً مستحيلاً والفقر بتزايد مستمر. ولكن كيف الوصول لذلك دون تدخل كبير للدولة في الوجود الفردي، الأمر الذي يشكل لعنة بالنسبة للتقاليد الليبرالية؟
“إن المشكلة المطلوب إيجاد حل لها، هي ذات طبيعة استثنائية وعلى أهمية عالية من الحساسية: كيف يمكننا إعطاء المساعدة الأقصى، من خلال خلقنا لحد أدنى من التبعية لهذه المساعدة” (ميل في مبادئ الاقتصاد السياسي،الكتاب5، الفصل 6). فرغم وعي وإدراك ميل للمشكلة، إلا أنّ أسئلته بقيت من دون جواب، وستقع مسؤولية وتحدي تشكيل نموذج جديد مترابط ومقنع على عاتق خلفائه.
LEconomie politique, FRANCE, No44-2009
www.leconomiepolitique.fr
Rédacteur en Chef: M. Christian Chavagneux
Catherine Audard: Quest-ce que le libéralisme? Ethique, Politique, Société-Paris, Gallimard-2009
Wonderful article. Such articles help us grasp our reality with its smooth scientific approach, as it widens our awarness of the challanges of our present.