#adsense

“النهار” أمضت يوماً في عرسال: لبنان أولاً على رغم تجربة الحصار

حجم الخط

ليست صنعة اقتلاع الصخور من الجبال ولا معايشة الجرود النائية وأفخاخها للعيش ولو بالتهريب، ما يصنع القسوة هنا فحسب. في الطريق من اللبوة الى عرسال، رسمت لعبة الدم خط تماس عنيداً لم يعهده البقاع الشمالي.

كان اختبار فتح الطريق من اللبوة الى عرسال، بعد الاتفاق الذي قضى بتسليم اثنين مشتبه بهما من ابناء عرسال بالمشاركة في جريمة وادي رافق التي اودت بحياة اربعة شبان، بينهم شريف امهز ابن اللبوة.

بدت الطريق الجبلية خالية من السيارات، فيما انتشرت على جانبي الطريق مشاهد الكسارات التي تعمل بلا كلل على استخراج الحجر العرسالي الشهير. “كلنا صدام”، و”حمص ترحب بكم”، وصورة لعبد الناصر، واخرى لرفيق وسعد الحريري، وعلم للثورة السورية… هي صور وشعارات تؤكد الوصول الى البلدة التي اختبرت اياماً قاسية من الانفصال الجغرافي عن لبنان بعد قطع أهالي اللبوة الطريق الوحيدة التي تصلها بلبنان.

لا يبرود ولا قارة ولا رنكوس ولا غيرها من قرى ريف حمص وريف دمشق التي تسيطر عليها المعارضة السورية المسلحة، كانت كفيلة بالتعويض عن لبنان بالنسبة لأبناء البلدة التي تملك 50 كلم من الحدود المشتركة المفتوحة مع سوريا.

تمكن هذه الحدود، التي تنشط أعمال التهريب عبرها، أبناء البلدة من التزود بالبضائع والسلع بأسعار رخيصة من سوريا، وهي عمق معيشي اساسي للعرساليين الذين يقصدونها بسياراتهم، لكن هذه المناطق لا يمكن أن تكون بديلة عن لبنان بمؤسساته الرسمية ومستشفياته وجامعاته، ولا بأسواقه لتصريف المحاصيل الزراعية التي تعرضت للكساد، لاسيما موسما الكرز والمشمش.

كانت تجربة الحصار محطة لتأكيد الارتباط بلبنان بالنسبة للكثير من ابناء البلدة. يقول حسام، وهو مهندس وناشط يتنقل ما بين بيروت وعرسال، ان “البلدة تعاقب جماعيا على رأيها السياسي منذ بداية الثورة السورية”. وفي رأيه، “لم يكن في الامكان تحييد البلدة عن سوريا، فكيف نقفل الحدود العصية على الضبط منذ القدم امام الجرحى واللاجئين من اهلنا؟”. ويعبر حسام عن نقاش داخلي متفاعل في البلدة حول المدى الذي يمكن الذهاب اليه في تأييد الثورة، اذ تدعو شرائح من سكانها الى النأي بالنفس ما امكن والى المحافظة على علاقات طيبة مع الجيران، لاسيما بعد حصار البلدة من الجوار الشيعي المؤيد للنظام السوري، وبعد الغارات التي تعرضت لها من طيران النظام في ساحة بلدتها. وتزداد مخاوف بعض السكان حول ما يشاع عن نية “حزب الله” القيام بعملية عسكرية في المناطق الجردية الممتدة على السلسلة الشرقية المتصلة بالبلدة. ويخلص حسام الى ان “شعار “لبنان اولا” ينطبق لاسباب حياتية واجتماعية وسياسية على العرساليين، مهما ذهبوا في تأييدهم الثورة، وخصوصاً في ظل الواقع الميداني العسكري السوري”.

من يزور البلدة سيدرك ان شعار النأي بالنفس يبدو عبثياً ومناقضاً للواقع، اذ تكفي جولة في الاحياء الرئيسية ورؤية اللاجئين السوريين الذي يعبرون الحدود بصورة يومية ويفترشون الطرق في حال انسانية مزرية للتبين أن تبعات الحرب تفرض نفسها على الجميع، وخصوصاً ان الامساك بملف اللاجئين الحساس ليس بيد الدولة في شكل مركزي.
قرب البلدية، تجمع لاجئون للحصول على بطاقات الاعاشة والمساعدات التي تقدمها في شكل رئيسي الامم المتحدة وجمعيات اوروبية ودول عربية. عدد اللاجئين قارب الـ25000 لاجئ يعيشون مع سكان البلدة التي تعد 40 الف نسمة. كل من التقيناهم من اللاجئين شكوا قلة المساعدات والظروف المأسوية التي يعيشون فيها.

ولا تصعب رؤية انعكاس ضغط اللاجئين الاجتماعي على البلدة حيث بات الفقراء من العرساليين واللاجئين يتزاحمون على لقمة العيش، ما يسبب المناوشات احياناً.
وبيوت عرسال امتلأت باللاجئين من غير القادرين على استئجار منزل، وانخفضت أجرة العامل اليومية بسبب كثرة اليد العاملة. في إحدى المدارس الخاصة، قام المالك بتأجير الغرف للاجئين مقابل 150 دولاراً للغرفة. وتسكن عائلتان من عشرة افراد احياناً في غرفة واحدة. الحمامات في المدرسة تستخدم بشكل مشترك. الاولاد هنا يستحمون مرة كل اسبوع بسبب قلة المياه. الشبان العاطلون عن العمل من اللاجئين والمنتظرون الفرج يجلسون في الاروقة يقطعون الوقت. معالم اليأس بادية على وجوههم. ينفث بعضهم الدخان. يتنهد آخر، وهو يراقب حركة وضجة الاولاد وهم يلعبون. “لا نملك سوى الانتظار. نشعر بالغربة وبأننا مرفوضون، فالانسان ثقيل مهما كان الضيف كريماً”، يقول خالد، الشاب العشريني الذي مضى شهران على وجوده في عرسال.

خيمة للايجار
في باحة المدرسة، قام المالك بتأجير مساحة الأرض لاقامة اللاجئين خيمة مقابل 50 دولاراً في الشهر. اما سعر الخيمة فيبلغ 150 الف ليرة. في احدى هذه الخيم، سكنت عائلة من 6 افراد وصلوا من القصير خلال المعركة الاخيرة. تبكي المرأة التي ينام اطفالها على فرش اسفنجية وضعت على الزفت في ظل حرارة مرتفعة جدا قائلة “مشينا اربعة ايام قبل الوصول الى عرسال، نحن مدنيون ولم يحمل زوجي السلاح، تنقلنا من منزل الى اخر في القصير، كلما دمر منزل انتقلنا الى آخر، عطشنا وجعنا على الطريق وكنت ادق اوراق الشجر بالحجارة لاطعام اطفالي”. رغم الضجة التي يثيرها الحديث بصوت مرتفع داخل الخيمة، يلفت استغراق طفلة في النوم. تقول امها انها مريضة وتنام منذ عشر ساعات ولا مال لارسالها الى الطبيب.
هذه العائلة لا تتردد باعلان حيادها “لسنا مع احد، نكره الحرية ونكره النظام”، تقول المرأة صارخة “أريد العودة الى بلدي والتفيؤ بظله والعيش بكرامة”. تجهش بالبكاء.
في خيمة موازية، تدعونا سيدة من قرية النهرية في حمص للاطلاع على احوال ولديها الجريحين اللذين كانا يقاتلان في القصير “دفاعا عن العرض وفي مواجهة “حزب الله” الذي غزانا واحتل قرانا”. السيدة تذهب تارة الى البلدية وتارة اخرى الى احدى الجمعيات للحصول على المساعدة التي لا تأتي، وإن أتت لا تكفي. تمثل هذه المدرسة نموذجاً عن وضع اللاجئين الفقراء في عرسال والذين يقصدونها من ريفي حمص ودمشق. المأساة الانسانية بادية للعيان، وكذلك حال الاستنزاف الذي يشكلها هذا الملف الضاغط على البلدة، التي تنتشر فيها مستشفيات ميدانية في غير مكان يعالج فيها الجرحى من المدنيين والمقاتلين الذين يعبرون الحدود في صورة يومية. ويحذَر السكان من التحدث عن هذه المستشفيات علنا بعد الغارة الاخيرة التي يقولون في البلدة انها استهدفت غرفة استخدمت كمستشفى.

صلاة الجمعة
توجهنا الى مسجد دار السلام، الذي يؤم الصلاة فيه الشيخ السلفي مصطفى الحجيري والذي قُتل اخوه في كمين في الهرمل منذ اسبوعين. خارج المسجد يقف الشاب العشريني عبادة. هو ابن الشيخ وذراعه اليمنى. خاض تجربة القتال الى جانب الثوار، لكنه توقف بعد وقت قليل وتفرغ لمهمة مساعدة الجرحى في عرسال، كما يخبرنا. لا تبدو على ملامح عبادة الحدة، لكنه بعد مقتل عمه لم يتوان في فورة الغضب عن خطف عدد من الشبان من آل جعفر الذين يعملون مع عرساليين في تهريب المازوت قبل ان يتركهم لاحقا. من الغرائب او ربما من الاشياء الطبيعية التي تفرزها الحروب، ظاهرة التجارة المشتركة بين الاعداء. فالمعارضون السوريون يهربون المازوت عبر عرسال، فيتسلمه اشخاص من ال جعفر يقومون بدورهم بتهريبه الى سوريا، حيث يستفيد منه النظام في أغلب الاحيان! هذا ما يخبرنا به عبادة الذي يقر بأن “الجميع يعلم ان تجارة تهريب المازوت خيانة لكنهم يستمرون…”.
في باحة المسجد، يُلاحظ ان العدد الاكبر من المصلين هم من اللاجئين السوريين الذين يستقطبهم خطاب الشيخ العالي النبرة والذي لا يهاود في دعم الثورة. من ضمن ما تحدث عنه الشيخ في خطبته، “الفتن الداخلية في عرسال”. ودافع عن نفسه بعد ان وجهت اليه اتهامات من مشايخ وفعاليات عرسالية بإلحاق الضرر بالبلدة بسبب تشدد مواقفه. كذلك تحدث الشيخ الحجيري عن ضرورة “منع الفتن التي يخطط لها بين اهل عرسال واللاجئين” نافياً قيام مسلحين سوريين بحواجز داخل البلدة او تشكيله كتائب خاصة.
بعد الخطبة، قال لنا الشيخ الحجيري ان “مساعدة الجرحى السوريين تتم وفق القانون اللبناني، فالجريح يعبر من عرسال عبر حواجز الجيش”. واضاف انه “يقوم بما يمليه عليه الضمير والشرع في مساعدة اهلنا المظلومين السوريين “. وشدد على عدم مغادرته البلدة لأن “رأسي مطلوب من “حزب الله” بسبب موقفي”، وعلى ان مقتل اخيه، الاب لولدين والذي كان يعمل سائق شاحنة لنقل الحجارة، “لا يستهدفه شخصيا بل يستهدف كل العرساليين، والارجح انه جاء كرد فعل على قصف الهرمل”.
تناول الشيخ المساعي التي تبذل لمنع التصعيد قائلا: “اخبرنا ممثل رئيس الحكومة اللواء محمد خير بانتظارنا اخذ حقنا من الجاني”. ونفى اي علاقة بين عملية وادي رافق والثأر لأخيه. وشدد على ان “علاقتنا بالجيش والدولة جيدة وتحكمها مطالبتنا بعدم وجود صيف وشتاء تحت سقف واحد، والسماح لـ”حزب الله” بما يمنع علينا، فهذا ليس عدلا”.
وقال رئيس البلدية علي الحجيري ان فحوى الاتفاق الذي تم التوصل اليه بعد مساع امنية وسياسية بين اللبوة وعرسال يقوم على “حصر الجريمة بشخص وقيام عائلته بالتبرؤ منه. كما فعلوا بحصر جريمة الهرمل بشخص من آل ناصر الدين تبرأت عائلته منه، قمنا بحصر الموضوع بشخصين لم يرض، احدهما تسليم نفسه لكن عائلته تبرأت منه في حال كان متورطاً”.
ما إن تدخل مبنى البلدية حتى تتذكر عملية قتل العسكريين في الجيش اللبناني في جرود عرسال خلال عملية مطاردة خالد الحميد. يشير احدهم الى المكان الذي جمع فيه الجرحى والشهداء من الجيش. “نحن حمينا الاحياء وطببناهم”، يؤكد الموجودون. الرواية هنا واحدة: “لم يعلم احد انهم من الجيش، وكان يجب ان يحدث تنسيق مسبق”. وان سألت عن عدم انتشار الجيش في البلدة وعلى حدودها، الجواب واحد ايضاً: “لا شيء يمنع وجود الجيش داخل البلدة ونرحب به، مع العلم ان ضغط اللجوء والكثافة السكانية يجعلان الامر مشوبا ببعض التعقيد، اما ضبط الحدود فليبدأ من الهرمل اولاً”.

* * *

شريف… يا زينة الشباب ويا كل القهر“!

في ساحة بلدة اللبوة، كثف الجيش حضوره، لا سيما بعد اعلان اهالي البلدة وضعهم الطريق المؤدية الى عرسال في عهدة الجيش. لقد وضع رجال البلدة سلاحهم في البيوت بعد أيام من الغضب ومن قفل الطريق على العرساليين.
في دارة الشاب المغدور شريف امهز، تحلقت النساء المتشحات بالسواد في جلسة يتذكرن مآثر الشاب ابن الـ22 سنة، والذي مضت على زواجه سنتان وخمسة اشهر فقط. تتناقل الايدي الطفل الرضيع الذي يتمّ قبل ان ينطق “بابا”. تروي أم شريف انه وبعد الحادثة، اتى لها شبان غاضبون من البلدة بأربعة رجال من عرسال، فقامت بتهريبهم قائلة “ابني ظلم ولن ارضى بظلم الآخرين”.
وتتندر قريبة للفقيد “كيف ان هذه الجريمة الممزوجة بالابعاد الطائفية نالت من بيت لاطائفي”، مرددة “شريف يا زينة الشباب ويا كل قهر العالم”.
في القسم المخصص للرجال من العزاء، يستمر توافد ابناء القرى المحيطة للتعزية، ومنهم من فعاليات عرسال. وفي الجلسة يطغى حديث الوحدة والتعايش وتستعاد الذكريات التي سبقت الانقسام السياسي الحاد بين 8 و14 آذار، ومع وضد الثورة السورية… والد شريف الذي علّق صورة ابنه على قميصه، يتحدث عن “الزمن النضالي المشترك” الذي جمع البلدتين، وعن الاعمال التجارية والزراعية المشتركة بين الجيران، كما عن المصاهرة بينهما.
الوالد يقول: “نريد حصر الجريمة بالمرتكبين ونترك أمرنا للدولة. واذا لم ننل حقنا عبرها، فنحن ابناء عشائر في نهاية الامر وعلينا التصرف”.
من جهته، رئيس البلدية رامز أمهز، وهو خال الفقيد، يقول أن قطع الطريق على عرسال اثمر “علما اننا لسنا نحن من اقفل الطريق وانما حجم الجريمة الكبير، وما قمنا به كان وأداً للفتنة”. ويضيف “ان هناك خيوطا عن الفاعلين سلمت الى مخابرات الجيش، والآن سننتظر الى اين ستصل الامور”. ويرفض القول أن ابن اخته ذهب ضحية لمشاركة “حزب الله” في القتال في سوريا، فـ”ليواجهوا مقاتلي الحزب وليس المدنيين”.

المصدر:
النهار

خبر عاجل