التمديد لقهوجي يوتّر العلاقة بين بكركي و«التيار»
الكنيسة تتخوف على الأمن والاقتصاد ولا من يبادر
تزيلون سياج الوطن فيصير مرعىً، وتهدمون جداره فيصير مداسًا، وتجعلونه بورًا لا يُقضب ولا تُقلع أعشابه، فيطلع فيه الشوك والحسك، والغيوم نفسها، لا تعود تمطر عليه مطراً». استعان البطريرك الماروني بشارة الراعي باشعيا النبي ليستشهد فيه، راسما صورة قاتمة عن مصير البلد وسط استمرار سياسييه في صراعاتهم ونزاعاتهم. تستشعر بكركي خطرا كبيرا يحيط بلبنان ومصيره. ترفع الصوت محذرة من تفلت الأمن وغياب الاستقرار وتبدي تخوفاً جدياً من تصاعد الأزمة الاقتصادية والضائقة المعيشية التي تشد الخناق حول أعناق اللبنانيين و«ضيوفهم» من اللاجئين. تتوجس بكركي من استسهال استباحة القوانين والتمادي في تجاوزها وصولا الى الاعتداء على الدولة ومؤسساتها. أما العيش المشترك فتضرب العواصف المذهبية أسسه بعد أن تساقطت وريقاته.
تتشارك بكركي وبطريركها الهواجس مع كثير من اللبنانيين، وتقف مثلهم عاجزة عن ابتداع الحلول. لا تجد أملا إلا «بعودة الحكمة الى الرؤوس اللبنانية الحامية، فيلتقون ويتصارحون ويتصالحون تحت فيء رئاسة الجمهورية».
يبدو هذا الكلام وكأنه «ليس من هذا العالم»، في ظل تصاعد التوتر والانقسام. لكنه الكلام الذي تتبناه بكركي والكنيسة «لان مصير كل خلاف وصدام بين اللبنانيين أن ينتهي الى تسوية ومصالحة. فلم لا نقصّر المسافات ولا نوفر على بلدنا وعلى أنفسنا ومستقبل أولادنا أثمان الصراعات والاقتتال وما ينتج منها من موت وفقر؟». وتضيف مصادر كنسية مسؤولة «ان الأغبياء وحدهم لا يتعظون من تجاربهم، وأن اللبنانيين يتغنون بشطارتهم وذكائهم وسعة معرفتهم، فلمَ ينساقون الى دفع الأثمان نفسها عن أخطائهم المكررة؟ لمَ ينجرون الى حروب الآخرين سواء على أرضنا أو أرضهم؟ لمَ يبدون وكأنهم يقطعون تكرارا حبال النجاة التي ترمى اليهم وهم على وشك الغرق، هذا ان لم يكونوا غرقى فعلا».
هذا الكلام المكرر في بكركي وفي أوساط كثر من أساقفتها يقابله همس داخلي يسأل عن دور الكنيسة وبطريركها و«ناسها». أثناء إقامته الاخيرة في لبنان كان أحد مطارنة الانتشار يسأل في كل لقاءاته واجتماعاته عن الدور الريادي للمسيحيين ويستحث من يلتقيهم على استعادة المبادرة وعدم الوقوف موقف المتلقي أو الواقف في الظل منتظرا أن تمر العاصفة ولا تنتبه اليه. كان يواصل السؤال «لماذا تقفون في الصفوف الخلفية؟ لماذا تبدون وكأنكم استقلتم من دوركم؟».
في الكنيسة كثر يشاركون المطران رأيه ومواقفه لكنهم يتخوفون ويسألون من يأخذ زمام المبادرة؟
كان التعويل على البطريرك الراعي كبيرا في هذا المجال، لكن «الأمر اليوم لم يعد ممكناً من دون ان يتبدى البطريرك وكأنه يبحث عن زعامة من خلال دور سياسي»، على ما يقول سياسي مسيحي وسطي غير بعيد عن بكركي. يضيف «لقد رآكم البطريرك مجموعة «زلات»، كي لا نستخدم توصيفا آخر، جعلت جميع السياسيين تقريبا يتحسسون منه، وفي طليعتهم السياسيون المسيحيون». يضيف «آخر المنزعجين كان «التيار الوطني الحر» الذي بلغ مسامع مسؤوليه امتعاض البطريرك من موقف العماد ميشال عون وخلفياته من التمديد للعماد جان قهوجي. فالبطريرك الذي يعترض من منطلق مبدئي على أي تمديد، يحاول قراءة الوقائع والمعطيات على ضوء الظروف والأحداث. لذا هو من الداعمين للتمديد للعماد قهوجي تجنبا لإفراغ مركز القيادة العسكرية أو تسجيل سابقة عبر تسليم قيادة الجيش لقائد غير ماروني في هذه الظروف الشديدة التعقيد و..المذهبية».
لا تعلق أوساط كنسية أهمية كبيرة على مواقف السياسيين المسيحيين من بكركي على اعتبار انهم «يقتربون منها أو يبتعدون بحسب المصالح الحزبية أو الشخصية. أما بكركي فلا تضع إلا مصلحة لبنان هدفا لها». وعن مدى انعكاس ابتعاد الزعامات المسيحية عن بكركي تؤكد الاوساط ان «لا أحد بعيد عن بكركي أو قريب منها، إلا بمقدار قربه أو بعده عن الثوابت الوطنية والمسيحية». ولا تخفي هذه الأوساط انزعاجها من «ان تحمّل بكركي أحيانا أكثر من طاقتها وإمكاناتها. فهي تملك الموقف والكلمة والتوجيه. وهو ما يفعله بطريركها منذ انتخابه. فإذا أضاف واسترسل، قيل إنه يتدخل في تفاصيل السياسة. واذا حدد الثوابت ووضع خطاب رئيس الجمهورية وإعلان بعبدا سقفا سياسيا، قيل انه انكفأ وتراجع. دور الكنيسة ان تكون حاضرة في مجتمعها كأم ومعلمة وموجهة، لكنها لا تريد ولا يمكن أن تحل محل السياسيين الذين عليهم أن يتحملوا مسؤولياتهم. وفي طليعة هؤلاء، السياسيون المسيحيون المشغولون بأمور كثيرة فيما المطلوب واحد، وهو تجنيب لبنان تجرع كأس الحروب المرّة، مرة جديدة».