تشتعل الاشتباكات في مناطق صيدا وطرابلس، وتعيش الضاحية الجنوبية والجنوب وبعلبك والهرمل حالَ توتر خوفاً من اعتداءات قد ينفذها «الجيش السوري الحرّ»، بينما تستمرّ الحياة في المناطق المسيحيّة بشكل طبيعي.
يشبه الزمن عند المسيحيين اليوم فترة الثمانينات. فبعدما مرّت المناطق الشرقية بحروب مع الفلسطيني والسوري، عاشت بعدها ازدهاراً فيما كانت المناطق الأخرى تتمنّى ان تكون مثلها.
عندما يرى مسيحيّو لبنان مصيبة مسيحيّي الشرق “تهون” مصيبتهم. فمناطقهم تزحف حالياً نحو الازدهار، وإن كان ببطء، وعند وقوع إشكال في الطريق الجديدة او الخندق العميق او الضاحية الجنوبية، تكمل الأشرفية “سهرتها” بشكل طبيعي. وعلى رغم موسم السياحة المتردّي، فإنّ مطاعم وفنادق الأشرفية والجوار تمتلئ بالزبائن، فيما تخلو شوارع الحمرا والروشة وعين المريسة عند أيّ “خضّة” أمنية من عشاق الليل.
وبعد اندلاع حرب صيدا، ومرور المدينة في أسوء أيامها منذ انتهاء الحرب الأهلية، تتابع جزين حياتها على رغم بعض حالات الخوف المسيطرة على المحيط من ترددات محتملة. وفي وقت تلغى مهرجانات بعلبك الدولية نظراً الى الوضع الأمني الذي تعيشه المنطقة نتيجة استمرار سقوط الصواريخ عليها من الجانب السوري، والمشاكل بين بعلبك وعرسال، تُضاء سماء جونية بالمفرقعات، بعد الانطلاقة النارية لمهرجاناتها التي تستضيف أهمّ النجوم وتشدّ الناس ليشاهدوها. وكذلك الأمر بالنسبة إلى مدينة جبيل التي اطلقت أيضاً مهرجاناتها بزخم.
وتزامناً مع الحوادث الأمنية المتكررة في طرابلس، وصراع المحاور بين باب التبانة وجبل محسن، وتأثيرات أزمة صيدا وعرسال وسوريا، وتردّي الوضع بعد توقف الدورة الاقتصادية والشلل الذي تعانيه جرّاء المعارك، تتابع الكورة نهضتها العمرانية التي بدأت منذ سنوات، وتنعم بشري وزغرتا بالهدوء على رغم التقارب الجغرافي مع طرابلس والمصالح المشتركة بين أبناء القضاءين والطرابلسيين. وتستقبل البترون “سهّيرتها”، وفي هذه المناطق لا خوف من قطع طرق او رصاص قنص، او مسلحين يجوبون الشوارع ويجبرون المحال على الاقفال.
هذه المقارنة البسيطة، تُظهر أنّ الوضع في المناطق المسيحية مغاير لما يصوّره البعض، وخصوصاً القول إنّ المسيحيّين مرعوبون وخائفون من تداعيات الأزمات التي تعصف بالمنطقة وبلبنان خصوصاً. وهم يعيشون حياتهم بشكل طبيعي، ليس لأنهم لا يشعرون بما يجري من حولهم، بل لمعرفتهم نتيجة الحرب، أنّ لا قوة لهم على تغيير المكتوب وقلب السياسات التي تُرسم للمنطقة، من هنا يكمل الموظف المسيحي عمله، وينشط التاجر على خط المرافئ، ويستمر تجّار الابنية ببناء الشقق السكنية، ويفتح صاحب المطعم حتّى الفجر. وتستقبل المناطق المسيحية سكان المناطق المتوترة للترفيه عن انفسهم، ما يعيد إليها دورها كرئة يتنفّس منها الجميع. فالطوائف الاسلامية، تعيش تجاربها وتدخل في صراعات اقليمية ترتدّ عليها بالسوء وتدمّر مناطقها، وتخسر شبابها في أرض لا يجب ان يُقتلوا فيها.
الأمن الاقتصادي بات عند المسيحيين خطّاً أحمر، والمسّ بالمناطق المسيحية محظور، ففي السابع من أيار بقيَ جبل لبنان والاشرفية والضواحي المسيحية خارج ايّ صدام مسلّح، كما انّ بكركي تعمل مع الفاتيكان، ومن ورائه مع دوائر القرار الدولية لرسم خط أمان حول المناطق المسيحية، وقد نجحت هذه المساعي حتى الآن. لكن، لا أحد يعرف ماذا سيحصل في حال تطوّر الصراع وأخذ طابعاً دموياً. من هنا على المسيحيين أن يحافظوا على وعيهم، والاستمرار في تطوير مناطقهم ليكونوا أمثولة للغير، لا ان ينجرّوا وراء لعبة العنف التي ذاقوا طعم مرارتها، ودفعوا ثمنها باهظاً من دمار وخراب وتحطيم في بنية المواطن المسيحي اللبناني. 
