أمّا إذا كان لا بدّ من تسجيل “إنجازات” لمرسي، فهما “إنجازان” اثنان: إحالته المشير حسين طنطاوي والفريق سامي العنان إلى التقاعد بعدَ وقت قصير على انتخابه، وطريقة تعامله الموزونة مع الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة. لكنّ المؤسف حقاً أنّ حُكْم الإخوان سارعَ إلى صرف هذين الرصيدين في الداخل، بسرعة مذهلة، وبسذاجة رعناء، وبروحية استئثارية استنزفت نفسها بنفسها في المواجهة المفتوحة مع “المتن المدنيّ” للثورة المصريّة، ومع الصحافة والتلفزيون، ومع “الدولة العميقة”، بدءاً من القضاء المصري، ومع المؤسسة الأزهريّة، ومع الكنيسة القبطية، وكلّ ذلك من دون أن تؤمّن الجماعة الإخوانية نفسها على رأس جهاز دولة ليس منها وليست منه، بما جعلها عاجزة تماماً عن قمع الحركة الشعبية المضادة كونها لا تستطيع أن تواجه هذه الحركة بجهاز الشرطة وبفتيان الجماعة في وقت واحد.
وما لا شكّ فيه أنّ ضعف المقاربة النظرية لطبيعة جهاز الدولة ومؤسساتها لم يكن يؤهّل الإخوان لسياسة داخليّة أكثر رزانة وإحاطة، فهذه المقاربة تستدعي إعمال مرجعيات فكرية من خارج خطاب الحركات الإسلاميّة. إلا أنّ المشكلة أكبر كون الإخوان ارتكبوا أيضاً الخطأ الذي نهض فكر الحركة الإسلاميّة المعاصرة على قاعدة التنبيه عليه والتحذير منه، وهو خطأ جعل “الانتخاب” لحظة تأسيسية مطلقة، فاعتبروا أنّ واقعة انتخاب مرسي وكونه أوّل رئيس منتخب لمصر من طريق الاقتراع العام تجعله حرّاً في سلق الدستور وفرضه بشكل همايونيّ، إلى أن وصلنا إلى ما وصلنا إليه من حالة انفجار جماهيري بركاني تطالب بتنحية الرئيس.
وهذا الجموح السياسي الإخوانيّ الفاقد لشروطه كان يسبح في مشكلة ثقافية أكبر، ذلك أنّ من أهم أسباب عثرة الإخوان السياسية في تجربة حكمهم المهدّدة بالسقوط المدويّ الآن، أنّ المجتمع المصري سادت فيه بالفعل أنماط من التديّن التزمّتي الاستهلاكيّ في العقود الأخيرة، بحيث إنّ هذا المجتمع أنجز أكثر ما كان يطلبه “الإخوان المسلمون” منه، معهم أو مع غيرهم، وقبل سقوط نظام حسني مبارك. وهكذا، فإن الملايين التي خرجت ضدّ مرسي هي في معظمها تتبع أنماطاً من التديّن التزمّتي الاستهلاكيّ المتشرّب للنظرة الإخوانية إلى الدين والحياة، وفي هذا فارق أساسيّ بين “مدنيي مصر” وبين علمانيي تركيا الأتاتوركيين، وعلمانيي تونس البورقيبيين.
لقد أوصل “حكم الإخوان” الجماعة إلى طريق مسدود في أقلّ من عام، إلا أنّ ذلك شيء والتوهّم بأنّ “الإخوان المسلمين” قد خرجوا من التاريخ شيء آخر تماماً، فالانقسام الأهليّ الحاد بين الإسلاميين وأخصامهم ما زال محدّداً أساسيّاً للمسار المصريّ العام، كما وأنّ بعض هذا الانقسام يتخذ منحى جغرافياً إلى حدّ ما، بين “مصر سفلى” مناوئة لهم، و”مصر عليا” ما زالت إلى حد كبير موالية لهم.
وإذا كانت “الحتمية الإسلاميّة” بأنّ الإخوان جاءوا ليحكموا مصر إلى فترة طويلة لم يكن لها أساساً ما يسندها على أرض الواقع، فإنّ “الحتمية الليبرالية” التي تذهب إلى أنّ الحركة الإسلامية صارت وراءنا، ومطامع العسكر وراءنا، وليس لنا بعد ذلك إلا بناء الديموقراطية “طوبة طوبة” كما يقال باللهجة المصرية هي أيضاً نظرة تسطيحية، كلّ ما يهمّها هو أن تلتقط من الواقع مشاهدات تدلّ على سلامتها النظريّة، أي تماماً على طريقة ما كانت تفعله “الماركسية الدوغمائية” قبل ذلك، عندما يتحقّق كهنتها من أنّ الواقع أثبت صحّة نظريّتهم وتوقّعاتها السديدة.
في مقابل هذه الحتميات، يدعونا الواقع الحيويّ المصريّ للتفكير. مساحة التفكير هذه يدعونا إليها الرئيس الأميركيّ باراك أوباما بشيء من الحكمة، وهو يعلّق على التظاهرات المصرية الأخيرة من تنزانيا: “الديموقراطيات لا تعمل عندما يقول الجميع إن الخطأ هو خطأ الطرف الآخر ويصرّ كل طرف على الحصول على 100 في المئة مما يريد”.