#adsense

خرزة زرقاء من حسدنا!

حجم الخط

أهدر تأجيل الانتخابات النيابية في لبنان فرصة ذهبية في هذا التوقيت حصرا لمعاينة “روح الثورة” لدى اللبنانيين اكثر من أي عامل آخر. وما يستدعي العودة الى البكاء على اطلال الاستحقاق الديموقراطي تصاعد الانفعالات اللبنانية حيال الثورة الثانية في مصر التي تكاد تقيم إجماعاً لبنانياً على دعم الملايين في ميادين مصر المتوثبين لاسقاط حكم “الاخوان”.

من الطبيعي تماما ان ينتزع شعب يصحح ثورته بعد سنة واحدة من حكم فاشل اعجاب العالم كله، فكيف باللبنانيين المشدودين تاريخيا الى مصر منذ كانت ساحات بيروت تهدر تحت انفعال المد الناصري مثلما يذوب اللبنانيون طربا لام كلثوم وعبد الوهاب وفريد الاطرش وعبد الحليم حافظ، ومثلما يصرفون متعة السهر امام نجوم السينما المصرية. لكن ثمة ما يتجاوز طابع الارتباط “العاطفي” الآن الى عقدة نقص مستحكمة باللبنانيين باتت تجعلهم ينظرون بعين الحسد الى الشعوب الثائرة متى افضت الثورات الى تغيير حقيقي على غرار ما تشيع الثورة المصرية الثانية من آمال عريضة. ولنقل إنه حسد نابع من ازدواجية اللبنانيين اسوة بسياسييهم، اذا كان لا بد من الاعتراف بالعلل كما هي من دون تجميل. ولا داعي الى العودة الى ثورة 14 آذار، بل الى منطق الانتخابات الطبيعية وحده. الانتخابات في ذاتها ثورة تغيير ديموقراطية في انتظام مواعيدها. فهل كان اللبنانيون اقاموا ثورتهم لو اجريت الانتخابات في موعدها، او في الموعد اللاحق الذي لا ندري له موعداً ثابتاً بعد؟

اذا كانت الثورات في لبنان اليوم الطريق الاسرع الى الفتن بفعل الاحتقانات المرعبة التي تسود المذاهب والشوارع، فإن ذلك لا يفضي الى المعادلة الاكيدة التي تقول إن الانتخابات ستبدل واقع السياسة في لبنان. ذلك ان المستوى التعبيري المرعب ايضا في هبوطه لدى اللبنانيين لا يجعل “الشعب اللبناني”، اذا كان لا يزال يصح وصفه بهذا المصطلح الراقي، افضل من زعاماته وسياسييه و”نجوم” هذه الايام الهابطة. حتى انه، مع ظلم التعميم، قد يصح القول أن العصبية المتحكمة بالكثير من نخب لبنان التي يمثلها مجتمع مدني وإعلام ومثقفون وسواهم صاروا على عصبية اشد خطورة من تلك التي تزحف في الشارع وبين العموم. وليس في الواقع المنبري السائد والمبارزات الاعلامية والسياسية سوى دلالة على انهيار كل المعايير الحضارية التي كان لبنان يتباهى بخصوصياتها.

يُعجب اللبنانيون بثورات سواهم ثم يجددون لعصبياتهم في الشارع وصناديق الاقتراع، وتظل حفنة من زعماء لبنان اقوى الحكام في العالم. فكيف لا نحسد المصريين ونهديهم خرزة زرقاء من عيوننا؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل