حالة القلق المتعاظمة التي تعيشها طرابلس اليوم، تكشف أمام أهلها وبكل وضوح، أن الذي أوجد بؤر التوتر في صيدا منذ اشهر، وهيّأ الأرضية للعملية الأمنية الدموية في عبرا وما تركت من مآسٍ وندوب في الجسم اللبناني المريض أصلاً، والغضب الذي اشعلته في نفوس أبناء الطائفة السنية الذين يشعرون بظلمٍ لا مثيل له منذ ترسّخ وجودهم في هذا البلد عبر مئات السنين، يعمل الآن ليل نهار على نقل سيناريو صيدا الى الساحة الطرابلسية.
وبرأي المراقبين، فإن دفع طرابلس المتسارع الى الفوضى، وتحويلها هدفاً مباشراً للإنقضاض عليها تكراراً لسيناريو صيدا ينطلق من ابعاد ثلاثة اساسية:
في البعد الأول، لا ينفكّ المتعطشون دائماً الى الدماء عن خلق الإضطرابات الأمنية ونشر المسلحين الملثمين المجهولي الهوية، الذين لم تألف طرابلس نمطهم التشبيحي من قبل، وإقدام هؤلاء بشكل متواصل على إطلاق النار وإثارة الفوضى وإطلاق النار العشوائي وإرغام أصحاب المحال التجارية على إقفالها بالقوة وشلّ الحياة، وتحويل طرابلس من مدينة تنبض بالحركة والحيوية الى مدينة أشباح يسكنها الخوف والرعب ومظاهر العصابات المجهولة في الشكل المعروفة الإنتماء في المضمون.
البعد الثاني، محاولة الدولة بأجهزتها الأمنية والعسكرية ومؤسساتها الرسمية، إدعاء فرض الأمن والإستقرار في مناطق معينة، في الوقت الذي تتجاهل أو تتغاضى عن المخلين بالأمن، الحريصين دوماً على فتح الجبهات وإصطياد الأبرياء وحصد الأرواح بقناصاتهم من دون مبرر، وإبقائهم بمنأى عن الملاحقة أو المحاسبة، وهو ما زاد من حدّة الغضب لدى مكوّن كبير وأساسي في البلد، بات يجاهر ويسأل عن المعيار الذي تتبعه دولته التي تمارس سياسة الصيف والشتاء تحت سقف واحد.
أما البعد الثالث وهو الأخطر فيتمثّل بمعلومات بدأت تتناقلها وسائل إعلام قوى الثامن من آذار، والتي تتحدث عن تواجد لعناصر من جبهة النصرة ومقاتلين من الجيش السوري الحر في طرابلس، كما سبق وزعمت وجودهم في الطريق الجديدة في بيروت وقبلها في صيدا، وكانت السبب في ما وصلت اليه صيدا.. وأكثر من ذلك هناك أصوات بدأت تعلو وتطالب الجيش والدولة بحسم الوضع الأمني وتنظيف طرابلس مما يسمونهم “الزعران”، وهي أصوات لا يعرف الطرابلسيون من خوّل أصحابها بالتحدث نيابة عنهم، وإعطائهم التفويض للجيش الذي لا يحتاج أصلاً الى تفويض ليقوم بدوره في إرساء الأمن والإستقرار في اي منطقة، وكيف بالأحرى في طرابلس التي يناشد أهلها دائماً الدولة بأن تحسم أمرها، وتضع حداً للفلتان الأمني، وأن يعمل الجيش على إنهاء المظاهر المسلحة كافة، ويجعل من طرابلس مدينة منزوعة السلاح، بحيث لا يكون هناك سلاح غير منضبط كالسلاح الخفيف الموجود في باب التبانة وغيرها، فيما يكون سلاح جبل محسن مقدساً بحجة أنه سلاح مقاومة مزعومة، بينما وظيفته الحقيقية إقليمية مرتبطة بأجندة النظام السوري الذي وحده يحدد له دوره ومهمته في المدى البعيد.
هذه التطورات القديمة الجديدة لا تحتاج الى تدقيق، لمعرفة ما يرسم للساحة الطرابلسية التي يرى فيها حلفاء النظام السوري وخصوصاً “حزب الله” هدفاً إستراتيجياً لمشروعهم القائم على قضم المناطق الواحدة تلو الأخرى، خصوصاً المناطق الخارجة عن سيطرتهم والرافضة لسياساتهم، واللافت أن “حزب الله” الذي يقاتل اليوم بعدة غيره، بمعنى أنه يزجّ إما بجماعات مسلّحة تتولى المهمة بالنيابة عنه، وإما بتوريط الجيش في هذه المواجهة، تماماً كما فعل في حادثة عبرا التي يبدو أن تداعياتها ستستمر الى أمدٍ بعيد، مع تكشّف الملابسات التي أفضت الى ما أفضت اليه، ماضٍ في تنفيذ خطته بدقة ما دام الآخرون يدفعون أكلافها. من هنا فإن طرابلس تعيش حالة من القلق والحذر الشديدين، وهي تسعى عبر قياداتها وفعالياتها السياسية والدينية الى تفويت الفرصة على أصحاب هذه المشاريع، وإحباط محاولات جرها الى مواجهة مع الجيش والدولة اللذين يبقيان بالنسبة إليها الملاذ الأول والأخير.