نكتب من بعيد. ويحكم القلق السياق ويتحكّم به، فيما المنطق الطبيعي يقود الى الإعجاز. بحيث يصحّ الافتراض، أن أحداً، مهما كان ضليعاً في التفاصيل المصرية ومهما كان “مطّلعاً” لا يمكنه أن يقدّم جواباً واضحاً واحداً عما يمكن أن يحصل تالياً! وإلى أين تتجه المواجهة المفتوحة في الشارع والسياسة حتى الآن؟ وماذا “ستفعل” جماعة “الإخوان”؟ والى أي حدّ ستتمسّك بالسلطة التي امتلكتها بعد ثمانين عاماً من “المنفى” عنها؟ وإلى أي حدّ ستواجه “الانقلاب”، وكيف ستفعل ذلك، بالشارع المكشوف، على الطريقة الراهنة: ساحة “رابعة العدويّة” مقابل “ميدان التحرير”؟ أم بالشارع المستور على الطريقة الجزائرية؟!.
المفارقة الكامنة في أن ما يحصل يستهدف أول رئيس منتخب في تاريخ مصر، تواجهها مفارقة موازية وهي أن الجيش المصري يواكب المصريين ولا يتحداهم. و”انقلابه” الجزئي لا تُستخدم فيه الآلة العسكرية إنما أصوات الناس: الدبابات استبدلت بالتظاهرات، والمدفعية بالهتافات، والرصاص بالمفرقعات النارية المستخدمة عادة في الأعياد والأعراس وحفلات الأنس والسمر!
غير أن “تاريخ” مصر الحديث وطبائع شعبها يمكن أن تكون مستنداً لمحاولة تقديم بعض الاستنتاجات العامة. وفي ذلك، أن لغة الدم هناك “غير مفهومة” كما هي في ديارنا، من العراق الى سوريا الى لبنان.. وأن الاجتماع المصري لا يملك الكثير من مقومات التشظّي والتفتيت التي تقوم دول المشرق العربي عليها وعلى أساساتها. وأن الآليات المطلوبة، مادياً وتنظيمياً وعسكرياً لفتح مواجهة تشبه المألوف عندنا، غائبة تماماً. وإن حضر جزء منها فهو كان دائماً محصوراً بجماعات احترفت الإرهاب وبقيت مغلقة وغير ذي امتداد، ما سمح بمطاردتها والقضاء عليها بيسر وسهولة!.
لكن مرة أخرى، ذلك على وضوحه وحجّته الأكيدة ليس كافياً للحكم على كيفية تطوّر الحدث الراهن باعتبار، أن “الاخوان” وصلوا الى السلطة ويُدفعون دفعاً للتخلّي عنها.. وإذا كان القياس المشابه هو الجزائر، فإن “جبهة الإنقاذ” هناك “تخلّت” عن السلطة بعد الفوز بها بواسطة الانتخابات أيضاً، ولكن بعد حرب ضروس أودت بأكثر من مئتي ألف جزائري!.
يميل الظنّ البريء مجدداً الى افتراض الأحسن وليس الأسوأ، فـ”إخوان” مصر ليسوا “إنقاذيي” الجزائر. والتشابه في النص الايديولوجي والتعبوي والتوجيهي يماثله تشابه في الشكل السياسي، لكن، ولكن كبيرة، لا يتخطى ذلك الى “المضمون الدموي” ولا الى طبيعة المتواجهين في الميدان! ومع هذا فإن الله أعلم!.
سؤال: ما الفرق بين تظاهرة في سوريا وتظاهرة في مصر؟. جواب: في مصر يتظاهر عشرون مليون إنسان ولا يموت إلا عشرة منهم. في سوريا يتظاهر عشرون شخصاً فيقتل النظام مئة سوريّ هم المتظاهرون وأهلهم وأقاربهم، ويحيل العشرين مليون مواطن الآخرين الى العيش والموت في فرن دموي لا مثيل له!.