فهناك من شبّه بيان الأمس بنداء العام 2000 الذي أسس لمرحلة ما بعد الإحتلال السوري، والذي أشار بالأمس إلى عمق المشكلة المتعلقة بالسلاح الذي يستجلب السلاح، كمن يقول “البادي أظلم”. ماذا يعني هذا الكلام؟ ببساطة، يبدو كأنه إشارة لطيفة لحزب بات يعتبر نفسه أكبر من الدولة وأعظم شأناً منها، له مُرشده العام ورئيس دويلته الخاصة، وله أيضاً قائد قوات مسلحة يعتبره بمثابة قائد جيشه المتنقل من جنوب لبنان إلى شمال سوريا، “حيث تدعو الحاجة”.
بيان المطارنة بالأمس جاء انسجاماً مع المواقف السيادية التي أطلقها رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان سيما بعد زيارة الكاردينال الراعي إلى بعبدا قبل يوم، وأتى أيضاً ضمن سياق متكامل يلتقي مع مواقف قوى 14 آذار والكثير من القوى السيادية التي رأت أن سلاح “حزب الله” هو المسبب الأول لكل حالات التسلح التي نشأت منذ 7 أيار الشهير ورداً على استباحة بيروت بساعات قليلة، والتي كانت كفيلة بتغيير مواقف النائب وليد جنبلاط لتجنيب الجبل وتحييده عن دفع الأثمان الباهظة.
ولا يمكن أيضاً فصل ما جاء في البيان عن التململ العوني من أداء “حزب الله” الذي بات غير قابل للصرف في الشارع المسيحي مهما حاول “المتفاهمون” تجميل شكل الخلاف ووضعه في إطار “التمايز بين فريقين تجمعهما استراتيجية واحدة”، فهذا الكلام لا يعدو كونه تضليلاً وفي أفضل أحواله، يبدو كأنه هروب إلى الأمام من الإعتراف بالخيبة جراء الرهان على لبننة من لا ولم ولن يؤمن بلبنان الـ”10452” حراً سيداً مستقلاً، بمعزل عن محيطه وارتباطاته ومحاولة فرض مشروعه الذي لا يمتّ للّبننة بصلة مهما ارتفع منسوب الحلاوة في تلطيف العبارات، وإلا، لماذا يُقاتِل “حزب الله” في سوريا، وكرمى لعيون من يُغرق نفسه ويستجر الفتنة التي سندفع ثمنها جميعاً؟
هناك من يخشى تحميل بيان الأمس أكثر مما يحتمل على قاعدة أن بعض الإيضاحات في الأيام المقبلة وبعض الزيارات إلى المقر البطريركي الصيفي في الديمان، ستكون كفيلة في محو المعنى الحقيقي لمضمون البيان لصالح من يريد دعم “المقاومة” في كل زمان ومكان مهما قاتلت وأينما وجدت. وهناك أيضاً من قرأ في البيان تشجيعاً للفريق المسيحي ضمن 8 آذار علّه يجرؤ على الخروج من عنق الزجاجة التي استدرجه إليها فريق يحترف جميع أنواع التكتيكات لتأمين مصالحه الخاصة ولو على حساب المصلحة الوطنية العليا.
وهناك من يسأل، ماذا حصّل العماد عون على الصعيدين الوطني والشخصي من نقاطه العشر ضمن التفاهم الذي لم يُطبق من بنوده بنداً واحداً؟ ناهيك عن وعود “حزب الله” غير الصادقة تجاه المسيحيين، فأين مركز “مدير عام الأمن العام” الذي سبق للعماد عون أن بشّر باستعادته قبل أن يخيّب ظنه “حزب الله”؟ هل يجرؤ العونيون على مصارحة ناسهم أن أول من يرفض تعيين العميد شامل روكز قائداً للجيش هو “حزب الله” تماماً كما سبق له أن رفض العماد عون نفسه رئيساً للجمهورية في الدوحة؟ هل من يجرؤ أن يسأل الحليف وحليف الحليف عن “الأرانب البوعزيزية المياومة” التي تخرج من الأكمام كلما ظهر خلاف بين عون والثنائي الشيعي؟. فهل يكون بيان المطارنة الموارنة أمس مقدمة تشجيعية لمن يهرب في خياراته غير الموفقة إلى الأمام، وإستكمالاً لزيارة سفير المملكة العربية السعودية التي طمأنت بعض النفوس العونية الخائفة من ارتدادات الإلتصاق بحزب يُقاتل خارج أرضه ودون أي وجه حق، على بعض العونيين العاملين في البلاد العربية بحثاً عن لقمة عيش لم تعد موجودة في لبنان بسبب الحروب العبثية التي ساهمت بشكل كبير في تهجير الشباب اللبناني من أرضه؟ بارك الله بيان المطارنة الجريء عله يُستكمل بجملة من المواقف وعله يقول بعد حين: “ما بدنا جيش بلبنان إلا الجيش اللبناني”.