قُضي الأمر، وتم ما جاء في كتاب الثورة التاريخيّة الأولى، وسقط محمد مرسي الذي لقبوه أخيراً فرعون “العشيرة الاخوانية”، وعادت الفرحة والبسمة لتغرّد في ميادين مصر وعلى وجوه المصريين الذين غادروا القمقم منذ الثورة التاريخية الأولى، وقرروا ألا يرجعوا اليه.
فجأة، وفي ساعة تخلّ، استطاع “الاخوان” والتنظيمات المشتاقة الى السلطة والحكم والهيمنة وضع أيديهم ومناصريهم واتباعهم في كل مفاصل الدولة والمؤسسات… حتى أعادوا الى أجهزة القمع والتسلّط “أمجادها” السابقة.
لكن الذين قرروا التمسّك بالحرية والديموقراطية دون تردّد، عادوا الى الميادين. وبعناد وتصميم قالوا فلتكن ثورة ثانية. ولتكن مليونيّات. ولتكن مواجهة مع سارقي الثورة التي جعلوها “ملكهم”، والربيع الذي ذبل سريعاً وصار خريفاً دائم العبوس والتجهّم.
باعتزاز كبير وثقة تامّة، يستطيع الشعب المصري العنيد حقاً أن يقدّم نفسه للعالم بأسره كنموذج عصري لثائر لا يتهاون مع حاكم، أو سلطة، أو جماعة، اذا ما حاولت الاعتداء على حرية انتزعها بصبر وإصرار، وعلى ديموقراطية أراد لها أن تكون مثالاً يُحتذى، وعلى مصر أم الدنيا، مصر الجديدة، مصر النموذج الحديث في العالم العربي المغلوب على أمره، هو وشعوبه التي فشلت حتى في إدارة انتصاراتها الرائعة على حكّام الاستبداد والتسلّط والإرهاب.
ماذا الآن، أي مصر سنرى غداً، أي حكم، أي حكّام، أيّ نظام، أي دستور، أية حريّات، هذا كله سيبقى مرسوماً في الأذهان والعقول والقلوب، الى أن يظهر الخيط الأبيض من الخيط الأسود في “الثوب” الجديد الذي تفضّله قيادة الجيش للمرحلة الانتقالية، ولمصر الثورة الثانية ونظامها ومؤسساتها…
كان لزاماً على القوات المسلحة أن تأخذ المبادرة، فتقدم على خطوة جريئة لا بد منها، كفيلة بإنقاذ مصر من أيدي “العشيرة الاخوانية”، وتنتشلها من الهاوية التي دفعها اليها حكم رجل كاد يتصوّر نفسه مشروع مبارك أو قذافي “إخواني”، أو نسخة “منقحة” عن كبار في التاريخ، كالرئيس جمال عبد الناصر مثلاً.
أجل، الى هذا الحد، والى هذه الدرجة…
كان لا بد من هذه الثورة، التاريخية بدورها. وهذا الانقلاب الشعبي العسكري السياسي الوطني، الذي أعاد الى الثوار، الأساسيّين الحقيقيين، ثورتهم. مثلما أعاد ثقتهم بأنفسهم وبهذا الشعب الذي انتصر على الخوف، وحتى على البلطجيّة وحُماتهم.
الآن، نقطة في نهاية “حكم العشيرة”، والى ورشة بناء مصر جديدة يستحقها شعب عظيم