كتب مارون ناصيف في صحيفة “الجمهورية”:
أن يزور السفير السعودي في لبنان علي عواض العسيري الرابية، ويتناول طعام الغداء على مائدة رئيس تكتّل «التغيير والإصلاح» العماد ميشال عون، أمر يفرح قيادة تيار «المستقبل» ولا يزعجها أبداً، على عكس ما يعتقد الكثيرون، وقد يكون السبب أنّ رجال بيت الوسط مقتنعون بأنّ الانفتاح العوني المتجدّد على المملكة لن ينتج شيئاً في السياسة.
صحيح أنّ العسيري لم يُعلم قيادة التيار الأزرق مسبقاً بأنه سيزور الرابية بدعوة من الجنرال، لكنّ جوّاً ما عن هذه الزيارة وصل الى طاولة كتلة “المستقبل”، فدار نقاش سريع في شأنه. عدم الاستفاضة في النقاش يعود بحسب نائب بارز في التيار الى عدم قناعة المجتمعين بأنّ الجنرال سيكمل خطوته حتى نهايتها. ويقول النائب المذكور “هي ليست إلّا تكتكتات عونية تجاه الحلفاء الذين طعنوا الجنرال في أكثر من استحقاق، من التمديد لمدير المخابرات في الجيش العميد إدمون فاضل مروراً بالتمديد لولاية مجلس النواب، وصولاً إلى موقفهم من التمديد لقائد الجيش العماد جان قهوجي، غير أنّ هذه التكتكات لن يكون لها أفق يبنى عليه في السياسة”. نائب عكاري آخر في الكتلة نفسها يعتبر أنّ “التحالفات السياسية لا يمكن أن تتبدّل من خلال العلاقات الديبلوماسية، فمن واجبات السفير أن ينفتح على كلّ الأفرقاء ويزور الجميع، وإذا استقبله خصم في السياسة، فلا يعني ذلك أنّ تحالفاً ما نُسج بين الرجلين”.
إذاً الزيارة عادية في الميزان الأزرق، ولن يكون لها أيّ تداعيات على التركيبة الداخلية، إلّا إذا تبعتها مواقف إستراتيجية للجنرال، وتحديداً في موضوعي سلاح المقاومة والمحكمة الدولية، وهذا ما لم يسمعه تيار “المستقبل” بعد من عون الذي أصرّ في إطلالته التلفزيونية الأخيرة على إستراتيجية دعمه للمقاومة وسلاحها، وسرعان ما استقبل بعد 24 ساعة السفير الإيراني غضنفر ركن أبادي وبعده بيوم واحد السفير السوري علي عبد الكريم علي.
من الاحتمالات التي طرحت على الطاولة الزرقاء، تفسيراً لإعادة نظر الرابية في تحالفاتها، أن يكون الهدف هو تخلّص العونيين من تحالفهم مع فريق الثامن من آذار لمصلحة حال سياسية، تتمسّك من جهة بدعمها مقاومة إسرائيل من دون التحالف مع “حزب الله”، ومن خلاله مع حركة “أمل”، وتنفتح من جهة أخرى على أفرقاء في فريق الرابع عشر من آذار، وهكذا يمكن لهذه الحال أن تحقّق المكاسب السياسية التي تريد، تارةً مع هذا الفريق وطوراً مع خصمه. وفي هذا السياق يقول نائب بارز في تيار” المستقبل”: “خير دليل على هذا التفسير، إنفتاح الجنرال البارز على جميع المشاركين في العشاء الذي أقامه رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان في القصر الجمهوري على شرف الرئيس الفلسطيني محمود عباس، حيث رُصدت دردشة جمعته بالرئيس المكلّف تمّام سلام شارك فيها وزير الداخلية والبلديات في حكومة تصريف الأعمال مروان شربل، كما سُجّل كلام بينه وبين الرئيس فؤاد السنيورة، أضف الى ذلك فكرة زيارته بعبدا والاجتماع برئيس الجمهورية بعد قطيعة سياسية طويلة بينهما”.
في المقابل، لا ينفي تيار “المستقبل” الرغبة السعودية في الإنفتاح على زعيم مسيحي بحجم العماد عون، ولا يستبعد أن توجّه المملكة قريباً دعوة رسمية إلى الرئيس الجنرال متخطّية كلّ ما قاله عنها الأخير في مراحل سابقة، إنْ بهدف فتح صفحة جديدة معه، وإنْ لتوجيه رسائل سياسية ثقيلة إلى “حزب الله”. والمملكة تدرك تماماً ماذا يعني إنفتاحها هذا على “التيار الوطني الحر” بالنسبة إلى رجال المقاومة الذين يعيشون دائماً هاجس الحصار السياسي الإقليمي والدولي عليهم.