Site icon Lebanese Forces Official Website

الربيع العربي: ربيع إسلامي

وجّه الشعب المصري رسالة إلى كل المشككين بثورته والثورات العربيّة، مفادها أنّ المسار الديموقراطي والتغييري الذي انطلق مع هذه الثورات لا يمكن أن يتوقف قبل أن يرسي أنظمة سياسيّة تعكس تطلّعاته وآماله.

أعطى الشعب المصري فرصة حقيقية لـا”لإخوان المسلمين” بتولي إدارة البلاد في أدق مرحلة تاريخية، وإظهار أنهم على قدر التحدي وحجم المسؤولية التاريخية الملقاة عليهم، ولكن الوقائع دلت أنّ الإخوان ليسوا أهلاً للثقة التي أولاهم إياها الشعب بالحفاظ على أثمن وأغلى ما حققه ربطاً بمبادئ الثورة وروحها وقيمها.

وقد بدا أنّ كل هم الإخوان “ركوب” الموجة الديموقراطية واستغلالها تحقيقاً لجوع عتيق يتمثل بالاستيلاء على السلطة. فجريمتهم لا تقل عن جريمة شعب نال استقلاله ومن ثم تخلى طوعاً عن هذا الاستقلال، إذ إن محاولتهم إعادة مصر إلى زمن ما قبل الثورة مع اختلاف الوجوه والأسماء واللّاعبين جريمة موصوفة تعامل معها الشعب المصري بالشكل المناسب من خلال العودة مجدداً إلى الشارع بغية إعادة تصحيح المسار الديموقراطي، هذا المسار الذي يتطلب حماية المؤسسة العسكرية إلى حين تأصّل الممارسة والثقافة الديموقراطيتين وقيام المؤسسات المدنية الضامنة لطبيعة النظام الجديد.

فتدخّل المؤسسة العسكرية حسماً للصراع لمصلحة الشعب مسألة بديهية وحتمية بعد بلوغ التظاهرات الشعبية حداً فاق مستوى الثورة الأولى في 23 يناير، ولولا هذا التدخل لكانت غرقت مصر في حرب أهلية نتيجة تمسك الإخوان بالسلطة، والكلام عن حكم عسكريّ ليس في محله، لأنّ حسم هذه المؤسسة للموقف جاء بفعل عاملين: الاستجابة لدعوات الناس، والعودة إلى مبادئ الثورة، الأمر الذي يجعل الجيش هو المؤتمن على هذه المبادئ، فضلاً عن أنّ التشدد مع الإخوان وبعض وسائل الإعلام تبرره المرحلة الانتقالية والتي في طبيعة الحال لا يُفترض أن تطول، إلّا أنّ القول إنّ وصول الإخوان ديموقراطياً لا يبرر التعامل معهم بهذا الشكل، لا يأخذ في الاعتبار الطبيعة العنفية لهذه الجماعة، كما الخيانة الوطنية التي ارتكبوها بإعادتهم البلاد إلى عصر الديكتاتوريات.

ولعلّ من أبرز خلاصات المشهد الثوري الجديد أنّ أولوية الشعب المصري تكمن حصراً في تحقيق الديموقراطية وإعلاء قيمها بمعزل عن الأدوات أو الجهات المخوّلة ترجمتها على أرض الواقع، وهذا ما يفسّر سحب الثقة من الإخوان الذين كان الرهان عليهم كبيراً انطلاقاً من جهوزيتهم التنظيمية وواقعهم المسيّس مقارنة مع البيئات المدنية، ما يؤكد مجدداً أنّ الأولوية ليست لـ”الآرمة”، إنما لمضمون وجوهر العملية الديموقراطية.

وقد أسقطت الثورة الجديدة كلّ الكلام عن تحول الربيع العربي إلى خريف، وبرهنت للمشككين كل ما قيل ويقال إن الوصول إلى الديموقراطية لا يتم بين ليلة وضحاها، إنما هو كناية عن بناء متواصل ومسار طويل لا بدّ أن تتخلله مطبات وكبوات، ولكن الأهم إسقاطه المقولة التي حاول البعض تسويقها وتعميمها أخيراً بأن الإسلام والديموقراطية نقيضان لا يمكن أن يلتقيا أو يتقاطعا، حيث ثبت بالملموس أنّ وجدان هذه المنطقة الإسلامي بامتياز لا يضع نصب عينيه سوى إرساء أنظمة حديثة ومتطوّرة تحترم التعدد والتنوع.

فالثورة المصرية لم تصحح مسار الربيع العربي فقط، إنما أثبتت أنّ ما تشهده المنطقة هو ربيع إسلامي أيضاً، هذا الإسلام الذي باسمه سعى المتضرّرون من الربيع العربي إلى نعيه في محاولة لإعادة إنعاش النظام السوري على قاعدة أنّ هذا النظام على مساوئه، يبقى أفضل من الأنظمة المولودة حديثاً وممارسات الحركات الإسلامية التي تمّ تكبير خطرها عن سابق تصور وتصميم تخويفاً للأقليات في المنطقة وسعياً لفرملة الاندفاعة الدولية نحو التغيير. لقد وضعت الثورة الجديدة مصر على السكة الصحيحة، سكة عودتها إلى المعادلة العربية والإقليمية، هذه العودة التي من شروطها استعادة مصر مقوّماتها الداخلية كدولة مستقرة ومنتعشة اقتصادياً وسياحياً وسياسياً. ويخطئ من يعتقد أن الدينامية المصرية لن تشكل عدوى تحفيزية للثورة الإسلامية التي سترفع منسوب معنويات الشعب السوري وتزيده إصراراً على المضي قدماً باتجاه إسقاط النظام السوري، وما الكلام الذي يصدر عن بشار الأسد وغيره سوى محاولة للتعمية عن الحقائق على غرار استبعاده أن تخترق الثورات العربية حدود دمشق، في موازاة اعتبار إيران أنّ نجاح الإسلاميين هو استكمال للثورة الإيرانية.

Exit mobile version