#adsense

الديمقراطية… بين مصر ولبنان!

حجم الخط

مرّة جديدة، لقّن الشعب المصري العالم درساً حضارياً بالديمقراطية وبإرادة الشارع المحقة.
فكما أسقط نظام الرئيس حسني مبارك وتم انتخاب الرئيس محمّد مرسي في أوّل عملية انتخابية حرّة، جاء وقت الحساب وقرّر الشعب محاسبة من تمّ إئتمانه على الثورة وعلى الدستور، وهو أهم حجر أساس في الممارسة الديمقراطية. فكانت المحاسبة الشعبية، المتحدة طبعاً، لأعلى هرم السلطة في البلاد، متصدية لشتى محاولات الإخوان زج الناس في الفوضى الدموية أو زرع الشكوك حول قانونيتها وجدواها، أو حتى بث سموم الفتنة والانقسامات داخل السد الشعبي. ولم يكن لهذه المحاسبة أن تحدث بالشكل السلمي، والحضاري والفاعل الذي أوصلها الى خلع الرئيس المنتخب بعيداً عن إراقة الدماء أو الدخول في دوّامة العنف والفوضى، من دون دعم الجيش لها ووقوفه صفاً واحداً مع حراك الشارع، كونهما وجهان لعملة واحدة، فكان خيار المؤسسة العسكرية أن تعكس مزاج أهلها وأبنائها وتحفظ أمنهم وسلامتهم من جهة، وأمن وسلامة السلطة المخلوعة من جهة أخرى، من دون أن تنصاع لسطوة الحزب الحاكم ولا إلى فوضى الشارع الثائر… فنجحت في فرض هيبتها على الطرفين وأخضعتهما لمصلحة البلاد العليا فقط لا غير.

لقد أثبتت التجربة السابقة أن انحياز بعض القوى الأمنية للرئيس مبارك لم يؤدِ سوى للمزيد من العنف والنقمة الشعبية، وبالتالي إلى سقوط النظام.

كلها دروس وعِبَر لبلد الحرف والنور… للبلد الذي صدّر الحضارة وابتكر الثورات وعمّد ديمقراطيته بدماء شهدائه الأحرار… لمهد القوانين ودولة المؤسسات… للبلد الذي أطلق شرارة الربيع العربي وأظهر قمّة الرقي بتنوّع طوائفه واختلاف أهوائه مع كل ما تحمل من غنى فكري.

لبلد حاول البعض تدنيس ديمقراطيته بالتسلط والتفرّد وإعادة عقارب حضارته إلى زمن غلبة السلاح على دولة المؤسسات، وتمادى فريق بالممارسات الكيدية التي عمّقت الانقسام العامودي وشحنت النفوس وألغت صوت الاعتدال واستولدت أفكاراً وحركات هجينة على الفكر اللبناني المتنوع والمنفتح… زارعة بذور الفتنة لتكون جاهزة لإشعالها عندما تدق ساعة الصفر على الساحة المحلية!

طابقت التجربة اللبنانية شبيهتها المصرية في عدم جدوى الاستئثار بالحكم، لقد فشلت حكومة اللون الواحد على مدى سنتين في تحقيق أي إنجاز يُعيد شمل اللبنانيين حولها، بل على العكس، غذت شعور العجز عن المحاسبة أو إحداث أي اختراق في المشهد السياسي، فكان التعطيل القاتل للحياة السياسية والاقتصادية على حد سواء، في ظل استسلام مخيف، على الصعيدين الرسمي والشعبي للانفلات الأمني غير المسبوق. أضف إلى ذلك شعور شريحة كبيرة من اللبنانيين بعدم قدرة الجيش على لعب دوره الطبيعي في فرض هيبته الأمنية بشكل متوازن بين القوى على الأرض في ما يخص السلاح والمربعات والبؤر الأمنية.

أما لحظة الإجماع التي عاشها اللبنانيون عند تسمية النائب تمّام سلام لتشكيل حكومة ما لبثت أن تبددت مع اختلاف غايات كل فريق من هذه التسمية وتضارب مصالحهم حول تحديد شكل الحكومة ولمن كلمة الفصل فيها، ضاربين مرّة جديدة بمبدأ المؤسسات عرض الحائط ، وبرغبة اللبنانيين بالتلاقي حول حكومة حيادية قادرة على الإنجاز بعيداً عن التعطيل والكيدية المعهودة… تعيد بعضاً من الثقة المفقودة بالأمن والاستقرار وبالاقتصاد المتهالك، والدولة العاجزة؟

هل يستكمل لبنان التجربة بمحاسبة من فشل في القيام بمسؤولياته، وهل سيكون الجيش عندها منسجماً مع المزاج العام، أم سيطال الانقسام ما تبقى من دولة لبنان؟
هنيئاً لمصر عرس ديمقراطيتها… والعزاء كلّه للبنان، حتى إشعار آخر.

المصدر:
اللواء

خبر عاجل