#dfp #adsense

هنا القاهرة.

حجم الخط

لم ينفّذ الجيش المصري انقلاباً عسكرياً، إنّما شكّل أداة تنفيذية لإرادة انقلاب الشارع بغالبيته ضدّ حكم جعله في أشهر معدودة يترحّم ويتأسف على عقود حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك.

ما جرى في القاهرة رأته العين مباشرة، ولا أسرار ربما إلاّ في السياق التطبيقي التفصيلي وفي كيفية تدرّج “القرار” وصولاً إلى إخراجه وتنفيذه.. أمّا غير ذلك فإنّه كان على الهواء مباشرة. ولا طبقات مستورة في طيّات الهواء ولا روايات متناسلة ومتناقضة ولا تأويلات يُعتدّ بها، إنّما رؤية متكاملة بالصوت والصورة تنهي وتطمس ما عداها وتنهي المرافعات وتكفي لإصدار الحكم.

لكنّ المشكلة ليست في توصيف الحدث إنّما في طبيعته وهدفه. وفي ذلك يختلط التهريج الأسدي بالارتباك الغربي ويكوّن صورة عصيّة على المنطق: تصمت موسكو، ولا تنطق طهران بكلمة مفيدة، فيما يقدّم الأسد ووزير إعلامه مطالعات هلوسية عن أصول الحكم والثورات الحتمية وما إلى ذلك من سقط كلام لا يليق حتى بروّاد المصحّات العقلية.. غير أنّه في موازاة ذلك التهريج هناك خفر غربي غير مفهوم إزاء ما حصل، علماً أنّ هذا الذي حصل راعى بشكل مقصود وغير مقصود حساسيتين كبيرتين عند تلك الديموقراطيات. الأولى أنّ العسكر لم ينقلب تماماً على حكم مدني ولم يستلم السلطة، والثانية أنّ الشارع المصري عجّ بالملايين ومن دون تسجيل حادث أمني مركزي واحد.

الواضح أنّ الطرفين يموّهان، كي لا تُقال كلمة أخرى: يعرف الأسد أكثر من كل الناس أنّ زيته خلص، وأنّ ما حصل في مصر قضى عملياً وحكماً على أي احتمال (مهما صغر) لبقائه حيث هو، وأسقط من يد داعميه الروس تحديداً ورقة “البديل الإسلامي” عن الأنظمة “المدنية” الحاكمة! عدا عن أنّ قصّة “الإسلام السياسي” التي اكتشفها أخيراً لا تتماشى في واقع الحال، مع قصّة الإرهاب الأصولي كما لا يسري مفعولها التوصيفي على الثورة الشعبية السورية المندلعة ضدّه.

أمّا بعض الغرب، فربما ساءه أن التغيير تمّ بسرعة! وأنّ الجيش تمكّن من منع تفلّت كارثي للشارع المصري، وأنّ الفرصة فاتت على إسرائيل كي تجد بلداً عربياً مركزياً آخر يُدمَّر بطريقة هستيرية، وجيشه يُنهك بمستجداته الداخلية وينسى حدوده.. أو كأنّ الخفر يتصل بكون الرئيس مرسي جاء نتيجة عملية انتخابية شفّافة ومن أصول الانسجام “الفكري” أن يُدعم! في حين لم يكن الحال كذلك مع حكومة رجب طيب أردوغان التي لم يبقَ صوت واحد من واشنطن إلى برلين إلاّ وطالبه بـ”احترام” إرادة المتظاهرين في ساحة تقسيم! وهي “الإرادة” التي تمثّلت بالاعتداء على المقار الرسمية للحكومة المنتخبة ومهاجمة الشرطة!

.. طبيعي أن يستنكر راشد الغنوشي ما جرى في مصر ويعتبره “إنقلاباً موصوفاً”. وطبيعي أن تشعر طهران بالحرج طالما أنّ “الصحوة الإسلامية” تحوّلت إلى غفوة وبسرعة الضوء! وطبيعي أن تخرج هلوسات من قيادة دمشق وأتباعها، لكن ما ليس طبيعياً هو أن ينزعج الغرب من خطوة جذرية لولاها لتحوّلت مصر إلى كارثة إقليمية وعالمية لا مثيل لها.

.. برافو جيش مصر!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل