Site icon Lebanese Forces Official Website

الربيع العربي… آتٍ لا محالة

ان ما حصل ويحصل في مصر، يجب الا يفاجئنا، والا يفقدنا الايمان بالربيع العربي. ويجب أن نفهم طبيعة الارتدادات المرتقبة، في مجتمعاتنا، بعد الزلزال الذي ضرب ولا يزال، أعتى الأنظمة الاستبدادية وهزّ ركائزها.

ان الثابت الاول، في قراءتنا، لما تزخر به الايام الآتية من حوادث، هو أن الحراك الشعبي الذي نعيش، والرغبة عند شرائح المجتمع المختلفة، في المشاركة في صنع يومها وغدها، هو دليل صحة وعافية، ومبشر بان شعوبنا، لا تقل عن غيرها من شعوب الارض، تعلقاً بالحرية، وطموحاً لتحقيق عيش كريم.

الثابت الثاني: ان شعوبنا العربية، وقواها السياسية المعبرة عنها، والتي خبرت انظمة القهر، هي من حيث تشكل وعيها، تقع في منطقة وسطى. فهي تدرك وتعي بعمق، ما الذي لا تريده، وما الذي عانت منه على أيدي انظمة القمع والقتل. واليوم، تتلمس وتحاول ان تحّدد، ما الذي تريد ان تبنيه على انقاض الديكتاتوريات. ان شعوبنا، ممثلة بقواها السياسية، هي في مرحلة البحث عن مواصفات النظام الذي يوفر لها الحرية وتداول السلطة، وبالتالي النمو والازدهار والعيش الكريم.

الثابت الثالث: ليس كل القوى السياسية، التي كانت من مكونات اللحظة والمشهد الذي أطاح بالانظمة القمعية والشمولية، ذات فكر وتكوين وخيار ديموقراطي. بل هناك العديد منها، اشترك بمواجهة الأنظمة القمعية، ليس بهدف اقامة نظام ديموقراطي تعددي، يؤمن الحريات وتداول السلطة، بل من أجل هدف فئوي، يختصر بالسعي لاقامة نظام بديل يجسد سلّم قيم هذه القوى ويعبر عن “ايمانها” بانها تحمل كل الخير وكل الحقيقة، بخلاف كل القوى الأخرى، شريكتها في الحراك.

وتعتبر هذه القوى، ان كل من يخالفها الرأي، أكان من انصار النظام المنهار او من القوى المواجهة له، هو مارق وخطر عليها، ومن حقها سحقه وتجاوزه. وتعتبر ان من حقها، ان تقيم النظام الذي ينسجم، مع كامل منظومتها الفلسفية العقائدية او المذهبية. وبالتالي، فهي تتصرف، ليس على أساس ان الشعب هو من أوكل الوكالة، ويعود له، فقط، الحق بان يوكلها لمن يريد، عند كل استحقاق، بل على أساس ايمانها، بان من حقها العمل على اعادة “صياغة” وعي الناس وسلّم قيمهم، بما يؤبد سلطتها ويقوي قبضتها على مقاليد الحكم، متناسية، ان المجتمع، الذي تجهد نفسها لاعادة “تصنيع” وعيه ومفاهيمه، هو من أوصلها الى السلطة، ومن دون الحاجة المسبقة الى حملة “اعادة التأهيل” او الى تعميم النمطية الحزبية القاتلة.

الثابت الرابع: ان القوى الشمولية العقائدية، في لبنان وخارجه، وبالاخص عندما تكون في المعارضة، تمتاز بقدرات تنظيمية مهمة، في تعبئة قسم من الناس، وحشدهم في الساحات والميادين وامام صناديق الاقتراع. وذلك من خلال استنهاض ماكينتها التعبوية وشد العصب الفئوي، أكان مذهبياً او عقائدياً علمانياً. وبالتالي فهي تبهر الناس، من معها ومن ضدها، بحسن تنظيمها وتناغم وظائف قطاعات عملها. وتشعر من هم من اتباعها، بقوة سطوتها وفعالية ادائها. هذا ما يؤكده اداء بعض الاحزاب في لبنان، كحزب الله والحزب الشيوعي اللبناني سابقاً، وذلك على سبيل المثال لا الحصر، وكذلك اداء الاخوان المسلمين في مصر وغيرها.

الثابت الخامس: ان القوى الشمولية، عند تسلّمها مقاليد الحكم، من طريق الانتخاب او الانقلاب، تتحول مباشرة عن خطابها الشعبوي لتخطب ود الناس، الى خطاب تمجيد رموزها والممسكين بالحكم باسمها، وتغدق عليهم كل الصفات الحسنى”، مثل “صاحب الرؤيا الثاقبة”، “القيادة الحكيمة المجربة”، “الأب الراعي”، “قائد السفينة” و”الذي اذا وعد صدق”، الى ما هنالك من ألقاب، تؤشر الى بداية او استفحال مرض عبادة الشخص!

القاسم المشترك، بين كل الاحزاب الشمولية في السلطة هو اصطحابها معها، كل صنوف الفشل والقهر وألوانهما. من الاستثمار المبالغ به في الأمن، الى التعاطي مع شعوبها، على انها مصدر الخطر الوحيد على سلطتها، الى الانكماش الاقتصادي والفقر وهجرة النخب الى خارج الحدود، او “استضافتها” في معتقلات التعذيب والموت. ولا ننسَ اهدار ثروات شعوبها، على حروب متنقلة ما بين الداخل والخارج، الهدف الاساس منها جذب انتباه الجمهور، الى قضايا غير التي تعبر عن مصالحه الحقيقية. هناك أيضاً تدمير المؤسسات التي تطمئن الشعب الى يومه وغده، وأولها القضاء واستقلاليته، فيسود مبدأ الاعدامات الميدانية والاعتقالات الاحتياطية، والتي تدوم لسنوات وسنوات من دون محاكمة او سؤال عن أحوال هؤلاء المواطنين.

ان الربيع العربي آت لا محالة. بل اننا نعيش تباشيره الاولى. حكمة اجدادنا كانت تقول، لا “ربيع مزهراً” ولا مواسم خير، من دون برد وثلج كانون. وليس صدفة ان اجدادنا، كانوا يسمون غزارة الامطار وكثافة الثلوج “بالخيرات”، لأنها ضمانة مواسمهم وقوت ابنائهم. فكل حراك في المجتمع، وبمشاركة الناس الكثيفة، هو من “خيرات” شعوبنا لايامنا الآتية.

من المفيد التوجه الى كل القوى الشمولية – العقائدية وتلاوينها الفكرية بالقول، انتم اكثر من استعمل تعابير “التغيير” و”التغيير الجذري”. واثبتت الايام، وتجاربكم في الحكم ومعاناة الناس معكم وعلى أيديكم، أن من الخير الأكيد، للمجتمع ولكم، ان تصروا وتسعوا الى التغيير والتغيير الجذري، لأنفسكم ولادائكم ولمفاهيمكم في التعاطي مع مجتمعاتكم. فمجتمعاتنا، بحاجة لتقدم تراكمي هادئ ومدروس، وليس الى هوسكم بالسلطة، القابضة على أرواح الناس وأرزاقهم.

نقول بتغيير أنفسكم ومنطقكم الاستئثاري، لأننا نريدكم في مجتمعنا، زيادة للتنوع. نريدكم ان تشكلوا خياراً اضافياً أمام الناخبين. نريدكم شركاء في بناء الديموقراطية واغنائها، وليس متربصين بها، او متوثبين للانقضاض عليها!

Exit mobile version