كتبت رينا ضومط لـ”الجمهورية”:
وادي قنّوبين أو وادي قاديشا، المعروف بوادي القدّيسين، شاهدٌ حيّ على التاريخ المسيحي في منطقة بشرّي، ويعتبره الموارنة رمزاً للطائفة لما عايَش هذا الوادي من مفاصل أساسية في الديانة المسيحية.
الوادي في خطر ومهدّد بشطبه عن لائحة التراث العالمي”، صرخة أطلقتها مجموعة من الشبّان الرافضة قضم هذا الوادي الخلاب، الذي يشكل علامة نموذجية ونفحة إلهية. أمّا السبب فهو تشييد مقبرة في الوادي الذي يُمنع البناء فيه، بعدما وضعته منظمّة “الأونيسكو” على قائمة التراث الإنساني العالمي، لما يَحويه من مزيج يجمع بين روعة وجمال الطبيعة من جهة، وتناغم الإنسان معها من جهة أخرى.
وفي هذا الإطار، ترفض هذه المجموعة التي تُعنى بالشأن البيئي والتراثي في منطقة بشرّي، ما يحصل، وتوضح لـ”الجمهورية”، أنّ المقبرة هي “لتكريم الشيخ منير بركات تقديراً لأعماله الخيّرة مع أبناء بشرّي، إذ كان يقدّم القرميد الأحمر لكلّ شخص يريد تزيين منزله، وشيّد كذلك القصر البلدي في المدينة، وبالتالي نحن مع تكريمه ولكن ليس في هذا المكان المقدّس تحديداً”. وتلفت المجموعة إلى أنّ “المقبرة تقع قرب كنيسة مار جرجس عمرها 1200 عام، ويعلو صليبها بارتفاع 25 متراً، وقد رمّمها شباب بشرّي وسقفوها بالتراب للحفاظ على معالمها الأثرية”.
وتؤكد المجموعة أن “لا رخصة للبناء، والمشروع توقف لمدة أسبوعين تقريباً، لكن العمل استؤنف إثر أحداث عبرا”. الجماعة اتصلت بـ”الأونيسكو” في فرنسا وكل ما سمعته منها أنها “منظمة غير حكومية، لكنها وعدت بمتابعة الموضوع عبر وضع الوادي على لائحة الخطر، قبل أن يُشطب من لائحة التراث العالمي بعد سنتين في حال عدم إزالة التعدّيات”.
وفي وقت لا يسمح قانون “الأونيسكو” بالبناء، تشدّد المجموعة على وجوب “الابتعاد أقلّه 50 متراً عن الوادي في حال صدر قرار يسمح بذلك، أما ما يحصل اليوم، أي البناء بمحاذاة الوادي، فيشكل خرقاً للقانون وتعدّياً على ما نَحتته يد الخالق. أمّا من الناحية الدينية، فالموت لا يُميّز بين إنسان وآخر، والدليل أنّ البطاركة مدفونون في مقبرة عادية.
وفي السياق، استوضحت “الجمهورية” وزارة الثقافة، المعني الأول، ما يجري، فأكد وزير الثقافة في حكومة تصريف الأعمال غابي ليون أن “لا أبعاد سياسية”، وقال: “في منطقة تقع على كتف الوادي في بشرّي، وفي مُلك يعود إلى لجنة جبران الوطنية، يتم بناء مقبرة فردية على رأسها صليب بعلو 14 متراً تقريباً”، مشدّداً على “أننا نرفض أي مخالفة في البناء، كون الوادي مدرج على لائحة التراث العالمي”.
ويشير ليون الى أنّ “البناء حصل من دون أخذ رخصة، وقد تم توقيف التشييد مرتين، وفي المرة الثانية أبلغنا الأمر إلى القوى الامنية والقائمقام، وقد قدّم المعنيّون حينها طلب رخصة في وزارة الثقافة”، لافتاً الى “أننا، وحتى الساعة، لم نتّخذ اي قرار، إذ إننا في صدد استشارة منظمة التراث العالمي”، مؤكداً أن لا مشكلة في بناء المقبرة “إذا كانت بحجم مقبول ولا تؤثر في الوادي، ولن نوافق قبل أن يؤكد المهندسون أن لا آثار سلبية تشوّه الوادي”..
يشار الى أنّ إيلي كيروز، وهو أحد أعضاء لجنة جبران الوطنية، استقال منها، وكتب على “الفايسبوك” الخاص به: “استقلت اليوم من اللجنة اقتناعاً منّي بأن ما يجري في موقع مار جرجس الأثري ضد قناعتي، وبما أنّ لجنة جبران هي المالك لهذا الموقع، فلا يمكنني الموافقة على هكذا قرار كونه يتعارض مع ما أؤمن به”.