تلاقت المواقف والأفكار والتحليلات على اعتبار أنّ ما يحصل في مصر ليس شأناً مصريّاً داخليّاً معزولاً ، بل بوصلة لمسار الثورات العربيّة ، وتفاعل ” الربيع العربي ” في اتّجاه خواتيمه السعيدة .
صحيح أنّ سرعة التحوّل الشعبي – العسكري المصري فاجأت الجميع ، خصوصاً الغرب ، لكنّها كانت دليلاً قاطعاً على عصاميّة الحركة وأصالتها ، خلافاً لما كان يُنسج ويُظنّ ، عن الإنتفاضات السابقة في مصر نفسها ، وقبلها وبعدها من لبنان إلى تونس وليبيا واليمن ..
وبرغم ذاتيّة الحراك المصري و” بلديّته ” ، بدأت فوراً ارتداداته على الدوائر العربيّة والإقليميّة القريبة والبعيدة عن مصر :
فليس غريباً أن يعود وهج الثورة إلى منطلقها الأوّل في تونس ، مع الإشارات الأولى لنشوء حركة ” تمرّد ” ما تونسيّة على الفصل الأوّل من الثورة . ولا يعني نفي ” نظام النهضة ” استيراد النموذج المصري الجديد عدم تأثّره به ، فلطالما سمعنا غير دولة عربيّة تقول إنّها ذات مناعة ضدّ ” فيروس ” الثورة ، ثمّ أُصيبت به سريعاً !
ولن تكون ليبيا في منأى عن التأثّر بالنموذج المصري ، في معاناة بحثها عن شخصيّة مستقرّة لثورتها المصابة بأعطاب القبائل والتطرّف والصراع المناطقي .
لكنّ الدول الأكثر هشاشةً أمام الحدث المصري ، والأقرب إلى الإقتداء به ، ستكون ، بدون تردّد ، سوريّا وإيران ولبنان .
أشدّ ما يُضحك هو أن يُسارع بشّار الأسد إلى الإشادة بالثورة المصريّة . فليس في هذه الإشادة المفتعلة سوى شماتة الضعيف في خصمه المزمن ، ” إخوان ” سوريّا ، واستخدام رخيص لانتصار سواه ، على طريقة القرعاء التي تتباهى بشَعْر جارتها ! والأسوأ هجومه على الإسلام السياسي وكأنّ إيران سويسرا !
ولعلًه لا يُدرك عمق المعنى الذي تحمله ثورة ” 30 يونيو ” ، وهو سقوط الذريعة التي يرفعها في وجه العالم ، بأنّه يحارب الإسلاميّين السلفيّين ” التكفيريّين ” ، فإذ بهؤلاء يتراجعون سلميّاً أمام إرادة الناس ، وليسوا في حاجة إلى كلّ هذا القمع الدموي وحرب الإلغاء التي يشنّها نظامه ضدّ الشعب السوري في ائتلاف دموي كوني يضمّ إيران وروسيّا والعراق و” حزب الله “.. وآخرين ممّن ظهروا أو استتروا .
ولعلّ العبرة الكبرى التي أتت من مصر ، هي أنّ الربيع العربي ليس في حقيقته أصوليّاً دمويّاً رجعيّاً ، بل توق جادّ وواقعي لتحرير الإنسان العربي وتحديث دولته .
وكم تهافتت نظريّة التخويف من ” حكم الإخوان ” في سوريّا ولبنان ، خصوصاً ذاك الشعار الإنتهازي : ” سيحكم التكفيريّون كسروان ” .. والمفارقة أنّ صاحب هذا الشعار نفسه يهرول الآن إلى حضن الذين دَأَبَ على اتّهامهم ب ” الإرهابيّين التكفيريّين الوهّابيّين ” . والمفارقة الأكبر أن يسارع أيضاً إلى تحيّة ” تصحيح الثورة المصريّة ” .
فماذا سيفعل حين تُثبت الثورة السوريّة أنّها لا تقلّ أصالةً عن شقيقتيها : الميدانيّة المصريّة و” ثورة الأرز ” اللبنانيّة ، وأنّ كلّ شعارات التخويف والتوظيف كانت فقاقيع صابون وقبْض ريح ؟!
وعودة الثورة إلى منطلقها في تونس تعني أيضاً عودتها إلى مهدها في لبنان : فكلّ ما يجري من تحوّلات في وطن الأرز يدلّ إلى استعادة حيويّة ثورته . يكفي مؤشّر واحد شديد الدلالة ، هو بيان بكركي وتصريح سيّدها عن السلاح غير الشرعي ( المقصود طبعاً سلاح ” حزب الله ” ) الذي يستجرّ السلاح . أليس في البيان والتصريح شيءٌ كثير من نداء بكركي السيادي التأسيسي في أيلول ال 2000 ؟!
أمّا الأثر الأبعد والأكيد لثورة مصر فسيكون في طهران ، مربط خيل الحكم الديني ومُطْلقة تجربته وملهمتها في العالم . إنّ فشل تجربة الحكم الديني في مصر يؤسّس لانهيار تجربته في إيران . فتجارب الدول كالأوعية المتّصلة أو أحجار الدومينو . وإذا استطاعت تجربة الملالي الاستمرار في الحكم 34 سنة ، فهذا لا يعني نجاحها الكبير ورضى الشعب الإيراني عليها .
ميادين إيران سبقت كلّ ميادين العرب ، إلاّ ميدان الحريّة في بيروت . وإذا استكان شعب إيران لبعض الوقت بفعل القمع الدموي وخنق أصوات زعماء المعارضة ، فهي استكانة موقّتة ، وقد أعطى إشارة اليقظة الجديدة بانتخابه الإصلاحي حسن روحاني رئيساً له .
إيران محكومة بانتهاء تجربة آيات الله و” الوليّ الفقيه ” في الحكم . فبين ليلة وضحاها قد نرى مرشداً وراء القضبان في مصر .
والقضبان تتشابه في العالم ، وتحديداً في الشرق الأوسط ، منذ عهد الإنقلابات العسكريّة و” القوميّات الوحدويّة ” ، وصولاً إلى أنظمة ” الممانعة ” والدول الدينيّة .
بعد تطوّرات مصر ، تعالَوا نراقب خطّ القاهرة دمشق بيروت طهران .
نزهة وراء نعوش ثلاثة : حاكم فرد ، حزب ديني مدجّج ، نظام ” آية الله روح الله ” .
ولا حاجة للجلوس على كرسي الإنتظار … طويلاً !