أمكن الحزب في مرحلة الحرب الأهلية اللبنانية الباردة، أن يغطّي سياسته الاستحواذية والفرضية باتهام خصومه في 14 آذار بكل مثالب الدنيا.. وصولاً إلى تحميلها وتحميل أقطابها مسؤولية خسوف القمر! وما دون ذلك من ظواهر فلكية! عدا الاستراتيجيات العربية والغربية المعادية لـ”الأمّة” ومصالحها العليا..
وأمكن ذلك الحزب، في تلك المرحلة السوداء، (التي ازدادت سواداً بأي حال) تحميل الضحايا مسؤولية الجرائم التي طالتها! ومسؤولية الأضرار والبلايا التي أصابتها.. وما إلى هذا وفوقه وتحته من أزمات سياسية ومعيشية، ومع مفعول رجعي! وواقع الحال، أنّ الافتراء الذي صبّته آلة الحزب الإعلامية والسياسية على مَن عاداهم وخاصمهم في لبنان يكفي لشيطنة نصف البشر فوق هذه المعمورة ويزيد!
لكن المروحة اتسعت. والمتبرّمون والمقهورون والمستاءون والخائفون والقلقون واليائسون والناقمون من سياسات الحزب وسلاحه وغزواته التي عبرت الحدود والتي لم تعبر.. صاروا أكبر من الاصطفاف السياسي التقليدي القائم. وصاروا فوق ذلك الاصطفاف وطلاسمه وأسبابه وخباياه.. صاروا “رأياً عاماً” له حيثياته الاجتماعية والدينية والسياسية.
وصل صوت 14 آذار إلى حيث يجب أن يصل. وأمكن أخيراً مخاطبة ذلك الحزب بلغة مختلفة عمّا سبق و”التأكيد” له أنّ المكابرة انتحار. ولم يعد في وسعه أن يتّهم كل مَن دعاه إلى الدولة ومؤسساتها ووحدانية سلاحها، بأنّه مرتبط بأجندة تآمرية! لا يستطيع أن يفعل ذلك مع مجلس المطارنة الموارنة! ولا مع رئيس الجمهورية! ولا يستطيع حتى أن يفعل ذلك مع جمهور التيار العوني، وليس غيره! لا يستطيع ذلك، حتى مع أصوات كثيرة وتتكاثر داخل بيئته نفسها.. وحتى داخل صفوفه! وقيادته تعرف كل ذلك وأكثر منه!
لم يعد يستطيع أن يبقى على افتراضاته ويقينياته من أنّ “كل” الدنيا تتآمر عليه وعلى “مقاومته وأنّه وحده صحّ وكل غيره خطأ!! مَن ذهب إلى القصير “لتحريرها”، ومَن ذهب إلى سوريا “لمنع دمشق من السقوط كي لا يسقط نظام الأسد معها” لم يعد يستطيع أن يدّعي انّ كل مَن انتقد أداءه هو “عميل موصوف”! وأنّه يسعى ويبني ويعدّ ما استطاع من اجل “الدفاع عن الأمّة” ومصالحها ووجودها!
.. آن الأوان لإعادة النظر في الحسابات والقياسات والاستراتيجيات، والتقاط اللحظة (وهي مناسبة) وعدم تفويتها.. وهي “لحظة” لا تقتصر مقوماتها على المستجدّ اللبناني والاقليمي العربي والإسلامي الناقد والمتحفّز، إنّما تمتد إلى رأس النبع.. هناك في طهران بعد انتخاباتها الرئاسية؟؟