“حلال” أن يشكو النظام السوري لبنان الى مجلس الأمن بعد حادثة باخرة “لطف الله 2″، و”حرام” أن يشكو لبنان النظام السوري الى جامعة الدول العربية والأمم المتحدة لخرقه السيادة اللبنانية.. فقد مرّ “قطوع” الشكوى على وزير الخارجية والمغتربين عدنان منصور، بعد زيارات مكوكية لسفراء الدول الممانعة في لبنان، ورسا التحليل على أن الشكوى التي تقدّم بها رئيس الجمهورية ميشال سليمان الى ممثلَي الجامعة العربية والأمم المتحدة في لبنان ليست بشكوى بل إنها مجرّد “علم وخبر”.
فبعدما وصف منصور، أمام وفد من نقابة المحررين، علاقته بسليمان بـ “الممتازة”، لفت الى “عدم وجود شكوى من فخامته، بل “علم وخبر”، وبالتالي لا محلّ لكلمة شكوى لأن لا شكوى ضدّ شقيق”.. وتأتي توصيفات منصور هذه، بعدما تناول الإعلام العربي والعالمي ما قام به الرئيس سليمان واصفا إياه بـ “الشكوى”، إلا أن موقع وزير خارجية لبنان، الخارج من ضلع “حزب الله”، لا يتيح له إلا الدوران في بوتقة فارغة للتخفيف من آلام النظام السوري والقهر الذي أصابه بعد تقديم سليمان شكويين ضدّه.
وهذا التوصيف للشكوى، والذي يبقى في لغة العلاقات الدولية شكوى وليس “علم وخبر” لأن كلاً من جامعة الدول العربية والأمم المتحدة لديهما “العلم والخبر” بالإعتداءات السورية على لبنان، إن كان بهذه البساطة التي بنظر منصور لا تقدّم ولا تؤخر، فما الذي كان يمنعه من تقديمها متحاشيا التمرّد على رئيس الجمهورية؟ أم إن بنظره دولة لبنان لا تستحق شكوى لأنها جمعية لا تحتاج سوى الى بيان “العلم والخبر”؟
ويسأل منصور “هل أشكو دولة ارتبط معها مباشرة بمعاهدات أمنية ودفاعية مشتركة، أو التزم مضمون هذه المعاهدات؟” وهي تتمة لقوله بأن “الشكوى لا تقدّم ضدّ شقيق”، فمن هو الشقيق؟ أهو بشار الأسد مثلا أم هو علي مملوك؟ أهم أطفال سوريا الشهداء أم الذين مازالوا على قيد الحياة وحياتهم بخطر؟ وهل المعاهدات الأمنية والدفاعية المشتركة بين دولتين تخوّل إحداهما خرق سيادة الأخرى والإعتداء على أمنها وأهلها وأرزاقهم؟ وهل المعاهدات التي تُبرم بين دولتين في ظروف الوصاية قائمة الى ما لا نهاية، مرورا بابتزاز النظام المجرم للشعب المستضعف.. أم أن لبنان هو “رزق ميّت صاحبو”؟
إن الإجابة عن كل هذه الأسئلة تجعل من المعنيين يلتفون على الوقائع ليكملوا تنفيذ خططهم وتنفيس حقدهم ضدّ الشعب اللبناني.. فوحده رئيس الجمهورية المناضل، الذي يفضّل المواجهة إذ لا مكان في مسيرته للرضوخ، تمكّن من إثارة حنق بقايا النظام السوري في لبنان، ولم يهتمّ إن توتّر “فلان” أو جهد “علتان” لمنع انعقاد جلسة للأمم المتحدة. أما سياسة “النأي بالنفس” التي يتمسّك بها منصور، والتي لا تنطلي على اللبنانيين، فسقطت حين شارك عناصر “حزب الله” بالقتال الى جانب النظام السوري حتى قبل أن تعترف قيادة الحزب بذلك. وإن كانت علاقة الأخوّة تحتّم على الحزب ردّ الجميل للنظام السوري، فإن لبنان ينأى بنفسه عن “حزب الله” ويغسل يديه مما ارتكبته يداه بأطفال سوريا.
ووسط هذا الامتنان لخروق الأشقاء، يشكّل لبنان سابقة من حيث تقديم رئيس جمهوريته شكوى ضدّ خروق النظام السوري نظرا الى تقاعس وزير خارجيته عن حماية الأرض اللبنانية، واستنسابية رد فعله بين اعتداءات إسرائيل وسوريا، وتمييزه المبرر بين مرجعية وطنية ومرجعية شقيقة بالنسبة إليه. ويستغرب منصور موقف “السياسيين الذين بدأوا بالمطالبة بإسقاط النظام في سوريا”، وطبعا هم السياسيون الذين لا يعتبرون أن من يعتدي على سيادتهم وأمنهم هو شقيق، فمن المنطق أن يطالب هؤلاء بسقوط النظام، وهذا هو المنطق الطبيعي الذي يجب أن يستند اليه أي فرد، سياسياً كان أو مواطناً يجتمع مع غيره على ضرورة التحلّي بالحسّ الوطني، الذي هو أساس مبدئي للحفاظ على وحدة لبنان.
يمتدح منصور في كل مرة يصرّح فيها، وهو لا يتناول بالدفاع غير النظام السوري، علاقة الأخوة بينه وبين النظام السوري، أي بين حزبه والنظام السوري، فلتكن الجلسة بين الأخوة جلسة مصارحة وليس جلسة إملاءات، وليسأل الشقيق شقيقه عن اللبنانيين المعتقلين في السجون السورية، وليذكره بالمعتقل الذي خرج منذ سنة.. وليسأل الشقيق شقيقه لمن تعود ملكية الطائرات التي حلقّت في سماء شمال لبنان منذ أسابيع وقصفت الأراضي اللبنانية.. وليسأل الشقيق شقيقه عن سلسلة التفجيرات التي أوكل الشقيق مهمّة تنفيذها الى ميشال سماحة.. وليسأل الشقيق شقيقه عن أوجه الشبه بين نوعيه تلك التفجيرات والتي نفّذت بها بعض عمليات الإغتيال ومحاولات الإغتيال في لبنان.. ولأن الإجابات ستبرئ دائما النظام السوري، فإن الشعب اللبناني يخجل من علاقة الأخوة تلك ويقف الى جانب رئيس جمهوريته في قراراته بتقديم الشكاوى.. وليكن لدى الجميع “العلم والخبر” بذلك، أما آن الأوان لأن يعرف الأشقاء القريبون أن المسار مع الشقيقة البعيدة شاق؟