إن ما شهدته مصر، كل مصر، في الميادين، والشوارع والمدن والدساكر.. من هذه الانفجارات الشعبية غير المسبوقة، لم يكن منفصلاً عن ثورة 25 يناير. ولا عن معانيها. ولا عن دلالاتها. لكن المهم: انضمام قطاعات جديدة وهيئات جديدة وجماهير جديدة إلى ركب الثورة، فمن لم يشاركو في 25 يناير (الذي اسقط حكم حسني مبارك)، تدفقوا كالنجوم والكواكب والأنهار إلى جموعهم ليسقطوا حكم مرسي. فمن حسني إلى مرسي ازداد وعي الناس وارتهفَ، وتنضّج لأنهم “اعطوا” ولّبوا الشعور بالمسؤولية وكان الشعب العربي عموماً محروماً من المشاركة بل ومن تحمل أي مسؤولية: كان أحجاماً وكتلاً تساق إلى صناديق الاقتراع لتنتظر نتائج تعرفها سلفاً 99,99 % للقائد والجنرال والمستبد والدكتاتور. ولهذا قيل انها الثورة الثانية. وهذا يعني ان الثورات الشعبية لا تصنع مرة واحدة وتالياً فالديموقراطيات لا تُصنع مرة واحدة إلى الأبد. الدكتاتوريات وحدها “تُصنع مرة واحدة” لأنها “مُنزلة من لدُن الطغيان من فوق. لأنها لا تملك من الرؤى السياسية والفكرية سوى “تنظيم” السلطة بالقمع والقتل والترهيب. انه صراع بين متطلبات الديموقراطية التي تحلم بدولة القانون، والمؤسسات والحرية وبين منطق أهل السلطة الذين لا يرون في الدولة والمجتمعات سوى توابع وملحقات لارادات تصادر كل شيء. الرئيس المخلوع مرسي لم يفهم مقاصد الثورة إلا من ذهنية سلطوية. فئوية. حزبية. أحادية أي من منطق انقلابي. تماماً كما فهمها قبله مبارك، والقذافي وبن علي وعلي صالح وبشار الأسد. لم ينقصها إلا تفصيل صغير، او ذريعة عابرة، لاقتناص السلطة بلا دولة وبلا شعب وبلا أرض: ولهذا تصرف مرسي بحسب ارادة “مكتب الارشاد” وكأن الثورة ما اندلعت في 25 يناير إلا لتكون جائزة لهم… دون سواهم. او تصير مجرد ممتلكات خاصة من ممتلكاتهم. عام على حُكم الأخوان كان اسوأ ما شهدته مصر في تاريخها، لم يُحقق فيها “الحُكام” المغتصبون الجدد، سوى “أجنداتهم” الحزبية أي قولبة النظام والدستور والقوانين والمؤسسات لتكون مجرد أدوات “اخوانية” أو مجرد منتوج من منتوجاتهم “الأيديولوجية” وهذا بالذات ما جعلم يغفلون عن السمات “الانتقالية” والوقائع التاريخية، والظواهر الشعبية واشكال الوعي المكتسبة ويقفزون في حريق المراحل، والغاء ما استَنْبتته الثورة من قيم ومن تراكمات ومن مخزونات.عَامَ الأخوانُ على قشور أفكارهم وأطماعهم وطحالبها وعلى جهلهم وقصورهم، غير عابئين لما كان يتكون ويتكدس تحت القشور وفوقها وحولها: العنصر الشعبي. المكونات البشرية، الآلام، التوق إلى الحرية. الخوف من الدكتاتوريات. الرعب من الاستبداد. الحلم بحياة من دون تهديد. ومن دون خضوع. أغفل الأخوان و”مكتب الارشاد” (!) و”الحرية والعدالة” … كل هذه الأمور، حاسبين ان شعاراتهم الجوفاء كافية، للاستئثار بالسلطة. وعلى امتداد عام طالب الشعب المصري الرئيس المنتخب مرسي، بجرد حساب: ماذا فعلتم؟ وماذا غيرتم؟ وكيف حكمتم؟ وماذا دهاكم؟ أراد أجوبة شفافة؛ فالشعب هذه المرة هو الذي انتخب (في الماضي كان المستبدون هم الذين ينتخبون الشعب، وليس الشعب هو الذي ينتخبهم) ولهذا فمن حق الشعب ان يطالب من انتخبه بتقديم ورقة حساب. نعم! يريد الشعب الذي وعى هول المسؤولية لأول مرة منذ عقود طويلة ان يحاسب وبالطرق الديموقراطية، وبالمنطق “الثوري” السلمي وبالهاتف الشعبي المتعدد! ماذا فعلت ايها الرئيس الذي انتخبك الشعب في صناديق الاقتراع، وصناديق الاقتراع هي مصب الارادات الشعبية الكثرى في الميادين. والقرى. والجامعات. والمصانع. والإعلام. وفي الأزقة. وفي أمكنة الفقراء والمضطهدين. والمستغلين. والمغلوبين على امرهم والمثقفين… والسياسيين والأحزاب. قالوا له: ماذا اعطيتنا لقاء ما اعطيناك! قالوا له انت تتكلم عن الشرعية وكأنها صنعت مرة واحدة ومن أجلك وعلى قياسك وحققت مرة واحدة بل وكأنها باتت بعد انتخابك منفصلة عن الجماهير. وتحديداً عن الثورة. ونسيتَ ان الشرعية يختبرها الناس كل يوم. فالذين اعطوك الشرعية هم الذين ينتزعونها منك. ولا يكفي ان “تستمد” الشرعية منقوصة من حزبك أو من مكتب ارشادك… أو من الخارج، أو من فئات مُضلَّلة حولك! اهل الثورة شعروا ان مرسي خانهم! بل أكثر: ها هو يطاول جوهر وجودهم وكرامتهم: حرياتهم، ومسؤولية محاسبته فالفصل بين شرعية الميادين وصناديق الاقتراع بدعة: بل كأنه عود على بدء: أيام الحكم الدكتاتوري لم يكن هناك لا صناديق اقتراع ولا شرعية شعبية. وقع مرسي في الفخ. لأنه وبذهنيته المتعطشة إلى جنون السلطة وتالياً إلى وهم الاستئثار فيها والى عزل من “صنعه”.. فَقَدَ رُشدَه لكنه ظن ان مكتب “الارشاد” هو مرجعيته: فهذا المكتب المكتظ بالجهلة والتافهين افقد مرسي رشده. ارشاد بلا رُشد. ورُشد بلا ارشاد! لم يُعط أجوبة أحداً. وجعل من الأسئلة “لعنة” على سائليها بل ورأى في “المحاسبة” مؤامرة بل ونظر إلى ميادين الثورة الثانية، وكأنها “مجموعة من البلطجية والسكارى والفاسدين!” أف! انه “العماء” المطلق والصَّمَم المطلق. والحماقة المطلقة. اترى في هذه الملايين (بلغت 23 مليوناً والعريضة وقع عليها 22 مليوناً) مجرد لا شيء. وهنا بالذات ارتكب الخطيئة القاتلة، انزل محازبيه إلى الميادين ليواجهوا الثوار كخطوط دفاع عن السلطة. شَرَخ الشعب إلى شعبين: شعب “ملائكي” مؤمن وطاهر وشعب آخر ملعون ومجنون… وخائن! (انه المنطق ذاته الذي انتهجه قبله مبارك والسادات وصولاً إلى القذافي وسائر الطغاة) وكاد يقول كما قال بعضهم عن كل من يعارضهم “انهم الكلاب الضالة التي يجب نفيها أو قتلها”! ميادين في مواجهة ميادين، ميادين يحمل ناسها “العصي” وخطاب التكفير والتخوين والترويع وأخرى تحمل احلامها وديموقراطيتها وثوريتها وأصواتها وسلميتها! لكن مرسي، ولخطأ فادح في حساباته خسر المعركة الشعبية: بدت “جماهيره” متقلصة (حتى عما كانت قبل عام أو عامين) قزمة.. أمام طوفان الناس من كل الجهات. من كل الأعمار. من كل الاتجاهات: من الخائبين برهانهم على مرسي، إلى مستشعري “الخيانة” فإلى الذين عادوا .. ليستردوا ثورتهم المسروقة من براثن جماعة “الثورة المضادة”.. باسم الثورة نفسها. لم يفهم ما يجري حوله. كأنه كان يشتري الوقت الضائع. ليتلعثم بالرطانة التبريرية يدافع عن نفسه بمهاجمة الآخرين، الأحزاب، وسائل الاعلام، القضاء.. يوزع الاتهامات والتهديدات في كل جانب. لا شيء! وكلما تفاقمت خطاباته.. هذه واستعرت قواعده المضادة ضد الثوار الاصليين ، انهارت حوله الجدران وانفضّ عنه حتى الأقربون والحلفاء: حتى الوزراء استقالوا! حتى بعض المسؤولين غادروا. ومقابل هذا التضعضع ومع اصراره على رفض المطالب راحت تلتئم قوى المؤسسات الشعبية والقضائية والعسكرية والدينية حول الثورة. حتى عندما وجه الجيش انذاراً باللجوء إلى تصحيح الأوضاع وكاد مرسي يوصل الأمور إلى حافة الحروب الدموية تعنّت و”طلب الشهادة”: اي طالب محازبيه بطلب الشهادة دفاعاً عن الشرعية. والشهادة هنا سفك الدم والحرب الأهلية والعودة إلى العنف. والاغتيالات (وهذا من ارث الأخوان) . قالوا له بعد 48 ساعة سيكون لنا كلام آخر. لم يسمع. ولم يستبصر.. وكلما اظهر عناداً.. ازدادت ملايين الثوار في الميادين ملايين حتى كانت اللحظة الحاسمة، اعلن وزير الدفاع السيسي عزل الرئيس! اعلن عسكر مصر عزل مرسي ورَدَّ مرسي واصفاً ذلك بالانقلاب، بالانقلاب العسكري على الشرعية. وبقي متمسكاً بالرئاسة. وهنا بالذات يمكن أن يشعر بعضهم (حتى الذين يؤيدون الثورة الشعبية) بالخوف، ويتذكر ما حصل في الثورة الأولى مع “العسكر” (الذي حاول مرسي ان يقيم علاقات لاقتسام السلطة مع العسكر “لا لحكم العسكر” لا “لحكم الأخوان! رفض اهل الثورة ان يتقاسم إرثهم الجيش والاخوان “تتذكرون طنطاوي والأخوان. هذه الذكرى ما زالت تحفر في قلوب البعض. وما زال هناك ما قد يدعو إلى التخوف. (ونحن نتذكر بعض الثورات التي أكلت ابناءها: عبد الناصر صفى حلفاءه من الأخوان كشركاء في الانقلاب. وهذا ما فعله الخميني، ومن ثم خامنئي…) لكن المعروف ان هناك انقلابات تحولت ثورات كما هي الحال مع عبد الناصر، وثورات تحولت انقلابات كما هي الحال في التجربة الخمينية) لكن ما يدعو إلى الانتظار ان الثوار انفسهم “تعلموا” الدرس. والجيش اخذ بالعِبر وان الثورة الثانية العظمى هي دليل نضج نوعي كما هي دليل نمو كمي. ولن تلدغ مرتين من الجحر الواحد. فالجيش هو الذي استند هذه المرة إلى الجماهير وبشروطها وبخارطتها وبأجندتها وكان من المفيد ان يواكب بعض القيادات ورجال الدين (شيخ الأزهر والبابا القبطي والبرادعي وقائع اعلان وزير الدفاع سيسي عزل مرسي وخارطة الطريق، ويضاف ان زعماء الثورة من حمدين صباحي إلى 6 إبريل إلى حركة تمرد.. وحتى حزب النور السلفي.. أعلنوا تأييدهم لرعاية الجيش الثورة وحماية ديموقراطيتها واهدافها وسلميتها.
السؤال: ماذا سيفعل الاخوان المسلمون؟ هل سيختارون طريق العنف والدم والفوضى والاغتيالات لاسترجاع الشرعية “المزعومة” ام انهم سيختارون الطريق الأخرى سواء العمل السياسي السري أم العلني، في اطاره السياسي والدستوري والبرلماني؟ انها أسئلة ما زالت أجوبتها مبكرة! خصوصاً وان مرسي كان أول من “طلب الشهادة دفاعاً عن الشرعية. اي الشهادة بالدم. ولأنه بعد خطاب مرسي وطلبه الشهادة اندلعت معارك في بعض المناطق بين الأخوان والجيش واسفرت عن سقوط عدد من القتلى والجرحى!
وأخيراً، ان استرجاع اصحاب الثورة ثورتهم، ليس سوى دحض لكل هؤلاء الذين ينعون الربيع العربي خصوصاً، المرتبطين ببعض ما تبقى من أنظمة الطغاة؟ لكن المضحك المبكي ما اظهره بعض المدافعين عن نظامي البعث وخامنئي، من تعاطف مع الشعب المصري وعظمته في خلع “الطاغية” مرسي! غريب! هؤلاء يدعمون الطغاة في سوريا وفي ايران لكنهم مع الثورة الشعبية في مصر!
اهي شيزوفرانيا ! اهو فصام! اهو مَرَض؟ اهو نفاق؟ هذا كله! واذا كنتم لا تصدقون اقرأوا مانشيتات بعض وسائل الاعلام المؤيدة لنظامي ولاية الفقيه والبعث! بل اقرأوا بعض افتتاحيات “العباقرة” في هذه الصحف: التي تهلل لسقوط الدكتاتور مرسي وهي من اذيال الدكتاتوريتين المجرمتين الايرانية والسورية! ونتذكر هنا بعض عروبيي الايام الخوالي الذين ينشدون اغاني العروبة و”الرسالة الخالدة” وفي الوقت نفسه يُحيّون التدخل الايراني الفارسي في العراق واليمن ولبنان… وسوريا! فلتعش عروبتهم المتفرسنة. نقول ذلك لأن العروبة هي التي انتصرت في مصر، العروبة الحضارية، الديموقراطية الحديثة المتجددة، المفتوحة، السمحاء!
اما عروبة الكتبة فهي عروبة “الأنظمة” والمخابرات والطغاة وعروبتنا هي عروبة هذا الشعب العظيم… وهذه الأمة التي تتعرض من هؤلاء المنافقين إلى أخطر مؤامرة عليها! نعم! هو الشعب المصري اليوم يقول “أنا قلب العروبة النابض”!