| هواجس وتساؤلات حول «المزاج السنّي»: الآخرون سبقوا السنّة إلى التشدّد! لماذا وقع تيّار المستقبل بين مطرقة حزب الله وسندان التيارات السلفية الاثنين,8 تموز 2013 الموافق 29 شعبان 1434 هـ
|
الحديث عن «المزاج السنّي يُغادر مشروع الدولة.. ويتّجه نحو التشدّد»* استقبله البعض بكثير من الارتياح والتفهم، فيما أثار العديد من الهواجس والتساؤلات لدى البعض الآخر، رغم أن الهدف من هذه المصارحة هو إطلاق موجة من النقاش الواعي والرامي إلى تحديد موقع طائفة كبرى في لبنان من مشروع الدولة، ودور أهل السنّة في الحفاظ على توازنات المعادلة الوطنية، ومكانتهم على الخريطة السياسية.
لا بدّ من الاعتراف بأن الأوضاع في البلد وصلت إلى حدّ من التردي والتعقيد، يفرض على الجميع اعتماد أسلوب المصارحة المباشرة، ووضع النقاط فوق حروفها الصحيحة، والإقلاع عن سياسات المسايرة والنفاق، والتأكيد على الالتزام بما يتم التوافق عليه من تعهدات وثوابت وطنية جامعة!
لم تعد المشكلة «مَن يُزايد على مَن» في حماية الوطن أو الحفاظ على السلم الأهلي، بقدر ما أصبحت المسألة تتوقف على مَن يُقدّم التنازلات للآخر أكثر، في سبيل الحفاظ على صيغة العيش المشترك، وإبقاء لبنان «وطن الرسالة»، وإنقاذه من الانحدار إلى مشروع الفيدراليات الطائفية والمذهبية والمناطقية.
والحقيقة المرّة تقتضي منا الاعتراف بأن الحماس بين اللبنانيين على الحفاظ على الصيغة الحالية أصبح يُعاني من فتور ظاهر في أكثر من منطقة، ولدى أكثر من طائفة، بعدما فشلت جميع المحاولات الوطنية والعربية والدولية، في إنهاء رحلة المعاناة والآلام على مدى الأربعين سنة الماضية، ووصلت الانقسامات ومشاعر الحقد والكراهية في أوساط الطوائف، إلى هذا الحد، الذي يهدّد باندلاع حرب جديدة عند أول شرارة خارجية!
* * *
وفي عودة إلى حديث الهواجس والتساؤلات حول «المزاج السنّي»، نُسارع إلى القول بأن الطائفة الأكبر في لبنان، ما زالت تراهن على مشروع الدولة، وقادتها يعملون على دعم الشرعية ومؤسساتها بكل الجهود والإمكانات المتوفرة، ولكن ذلك لا يعني أن هذا الرهان مستمر إلى ما لا نهاية، في ظل هذا الخلل الفادح في المعادلة الوطنية، لمصلحة ترجيح كفة السلاح على كل ما عداها من اعتبارات وفاقية أخرى، في العمل السياسي، وفي تسيير شؤون الدولة وتصريف شجونها الأمنية خاصة!
ليس بين أهل السنّة من يدعو إلى رفع السلاح في وجه الجيش اللبناني أو الأجهزة الأمنية الأخرى، ولكن على القيادات العسكرية والأمنية أن تعي مسؤولياتها الوطنية والوظيفية بدقة، لقطع الطريق على العابثين بالأمن، والمروجين للفتن، والتصدّي لكل سلاح غير شرعي يُستخدم في الشارع المحلي بنفس القوة والحزم، التي يتم بها التعامل مع بعض التيارات الإسلامية المتشددة.
وبالمناسبة، ظاهرة التشدّد ليست وقفاً على الطائفة السنّية وبعض مكوناتها، وإن كانت لها أسباب لم تعد خافية على أحد، ولا سبيل للخوض فيها في هذه العجالة، ولكن لا بدّ من التذكير بأن العديد من الطوائف الأخرى كانت السبّاقة في السير على طريق التطرف، منها مَن رفع شعار «الجمهورية الإسلامية» ومنها من اعتبر «أمن المجتمع المسيحي فوق أي اعتبار»!
إن مشاعر الغليان والغضب في الشارع السنّي انتشرت كردة فعل طبيعية لسياسة الاستكبار والاستقواء بالسلاح، في الخلافات السياسية الداخلية، ولاعتماد أسلوب المكاسرة والاستضعاف والتخوين، عوضاً عن اللجوء إلى الحوار والتفهم والتفاهم على الملفات الخلافية، بما يحفظ للجبهة الداخلية تماسكها، ويسحب فتيل الاحتقان والانفجار من الشارع الإسلامي.
ولعل أخطر ما قد يترتب على حالة الغضب المتفاقم في الشارع السنّي، هذا الشعور المسيطر على الشباب المتحمس بقدرتهم على الاستعانة بمجموعات من العالم الإسلامي مستعدين لمناصرتهم ومساعدتهم في استعادة كرامتهم ورفع مشاعر الهوان من نفوسهم، بهدف إعادة بعض التوازن المفقود في المعادلة الداخلية.
ولا ندري إذا كانت دعوات أهل الحكمة والاعتدال من عقلاء الطائفة، ستُقنع الشباب المتحمس في الشارع، بضرورة الابتعاد عن الحلول العسكرية، التي تبقى بمثابة مشاريع انتحارية لأصحابها، سواء كانوا من أهل الأنظمة أم من جماعة الأحزاب، واعتماد سياسة التروي وضبط النفس، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً، ويعودوا الأخوة إلى جادة الحوار والوفاق!
* * *
ثمة هواجس وتساؤلات أخرى في المزاج السني طرحتها مسألة غياب الرئيس سعد الحريري وتراجع شعبية تيّار المستقبل، مقابل تمدّد التيارات السلفية، حيث حاول البعض تحميل الكلام أكثر مما يحتمل، والاصطياد بالمياه العكرة.
لم يعد خافياً على أحد حجم التداعيات السلبية لاستمرار غياب الرئيس سعد الحريري، سواء على تماسك 14 آذار، أم على مستوى انتشار «تيار المستقبل» وشعبيته، أو حتى على مستوى الوضع المعنوي للمزاج السني.
وتضاعف حجم التداعيات السلبية، لأن هذا الغياب، تزامن بشكل أو بآخر، مع غياب الرؤية الواضحة لفريق 14 آذار، وافتقاد الخطة الاستراتيجية القادرة على مواجهة تحديات الانقسامات الداخلية، وبقي هذا الفريق يعيش على قاعدة «الفعل و ردة الفعل»، بسبب غياب المبادرات الخلاقة من قيادته، فضلاً عن مستوى الخبرات والدهاء المتوفر لدى الفريق الآخر، الذي أثبتت الأحداث والتطورات منذ حرب تموز 2006، بأنه يملك خطة استراتيجية، ورؤية واضحة، وعزم على المثابرة والتنفيذ، يعززها جميعاً الإمكانات المالية والمعلوماتية والمعنوية التي توفرها له إيران، دولة الدعم والتوجيه والتدريب!
والشواهد عديدة ومستمرة، وأكثر من أن تُحصى، ونكتفي ببعض ردود الفعل على سبيل المثال لا الحصر: ردود فعل إسقاط حكومة الحريري وما تلاها من تكليف ميقاتي وتشكيل حكومته، التي أصرت قوى 14 آذار على مقاومتها، وإخلاء السلطة لتفرّد فريق 8 آذار. ردود الفعل على القانون الأرثوذكسي وتورط بعض مسيحيي 14 آذار فيه، مقابل غياب مشروع واضح من جانب 14 آذار وتيار المستقبل. الانسياق في لعبة التمديد لمجلس النواب التي أتقنها فريق 8 آذار، والتجاوب مع رغبة «حزب الله» بالتمديد لقائد الجيش ورئيس الأركان، من دون قادة الأجهزة الأمنية الأخرى، وخاصة مدير عام قوى الأمن الداخلي… إلخ إلخ.
اليوم، لم يعد باستطاعة أحد أن يتجاهل بأن واقع الضياع والتراجع لدى 14 آذار وتيار المستقبل، يفسح المجال واسعاً لأهل التشدّد في «المزاج السنّي»!
* * *
أما بالنسبة للخلل الكبير الحاصل بين ما تتلقاه قوى 8 آذار وحزب الله من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وواقع غياب الدعم لفريق 14 آذار وتيار المستقبل، الذي كان يصل من المملكة العربية السعودية، فقد أوجد فرقاً شاسعاً في القدرة على التحرّك والانجاز لمصلحة 8 آذار ومشروعها المحلي والإقليمي على السواء، خاصة بعد اندلاع الحرب الداخلية في سوريا.
وتزامن غياب الدعم عن تيّار المستقبل وفريقه مع استمرار وصول المساعدات الإيرانية في مواعيدها، مع التعزيزات التي أدخلت عليها بسبب الحرب في سوريا من جهة، ومع تدفق الأموال إلى التيارات والجماعات المتشددة في لبنان، من قبل تنظيمات إسلامية خارجية ورجال أعمال في العالمين العربي والإسلامي، بهدف دعم التيارات السلفية، من جهة ثانية.
وقع «تيار المستقبل»، ضحية نضوب المساعدات السعودية، فأصبح فجأة بين مطرقة خصمه اللدود في 8 آذار، حزب الله، وسندان التيارات السلفية المتشددة في الجهة الأخرى!
ورغم المعاناة المالية المريرة، ما زال تيّار المستقبل، ومعه المزاج السنّي، أميناً على علاقاته التاريخية مع الرياض، قابضاً على جمرة الصمود، ملتزماً الاستمرار بالتصدي للخصوم المحليين والاقليميين بالإمكانات المتاحة، وصامتاً أمام التساؤلات التي تحمل الكثير من المرارة والعتب.
ماذا يجري.. ولماذا توقف الدعم.. وهل تخلى الأشقاء عمّا اعتبروه يوماً واجباً وأمانة، في دعم الشقيق الأصغر؟!
* * *
إنها نماذج من الهواجس والتساؤلات التي تُقلق المزاج السنّي هذه الأيام، وتزيد حالته المأزومة تعقيداً!