#adsense

“التفاوت في التطوّر” على الطريقة المصرية

حجم الخط

 

ما دام الحدث الثوري المصريّ المتمادي منذ سنتين ونصف سنة متعدّد الأبعاد بشكل فائق، لزم أن ترتفع قراءته، بشكل نقديّ، إلى حيث، يمكنها عدم التفريط بأي عنصر أساسي فيه، والقفز إلى حيث زعزعة الثقة بالحتميتين المتداولتين، سواء “الحتمية الليبرالية” التي ترى أن مصر، وبعد أن تخلّصت من “حكم الإخوان” تدخل فترة انتقالية تقودها إلى حيث الديموقراطية المتحرّرة تماماً من ثنائية “عسكر واسلاميين”، أو “الحتمية الإسلامية” التي ترى أنّه لا سلام أهليّ في مصر بعد سقوط نظام حسني مبارك إلا باستتباب “دولة الشريعة”.

يبقى أنّ مسعى القراءة النقدية لزعزعة هاتين الحتميتين يتكامل مع الإقرار الصريح بتجذّر مثالين اثنين في الوعي الجمعي للفئتين المنقسمتين حالياً في مصر أو في غيرها من المجتمعات العربية: “المستبدّ العادل” الراسخ في بال الإسلاميين، و”المستبد المستنير” المتجذّر في عقول الليبراليين والقوميين واليساريين.

جماعة “المستبدّ العادل” يرون أنّ لا سبيل لإحقاق العدل بين البشر إلا بمرجعية منزلة من جهة، ومحتكرة من قبل عنصر دون آخر من جهة ثانية. وجماعة “المستبد المستنير” يرونَ أنّ لا سبيل إلى الإنتقال إلى الديموقراطية، أو إلى التنمية، أو إلى أي هدف “وضعيّ” آخر إلا بتسليط جهاز الدولة البيروقراطي والأمني والعسكري ضدّ الإسلاميين. وإذا كانت جماعة “المستبد العادل” تتحجج بالمفهوم الديني للأمة، ساعة تبسطه ليبلغ مدى عالمياً، وساعة تقبض عليه لتختزله في “عشيرتها”، فإن جماعات “المستبد المستنير” يعظّمون أمر “الشعب”، غير أنّهم يتعاملون معه كجسد واحد، له بدن وأعضاء وأذرع، ويبحث عن رأس له.. “المستبد المستنير” قاهر الإسلاميين، ومعبّد الطريق إلى الديموقراطية والتنمية المنشودتين.

بمعنى ما، المواجهة في مصر حالياً لا تزال في جزء أساسيّ منها، مواجهة بين مثالين، “المستبدّ العادل” في مواجهة “المستبدّ المستنير”. لكنّ ما يعقّد الموضوع أكثر أن جماعة “المستبد العادل”، تتمسّك في المواجهة الحالية، بمفاهيم من خارج مرجعيتها العقائدية الأساسية، أي بنتائج الإقتراع العام والدستور “التوفيقيّ” بين حكم الشريعة وحكم القانون.

والتعقيد لا ينتهي هنا. فمن جهة، ثمة قومة شعبية غير مسبوقة ضد حكم الرئيس محمد مرسي، وهذه القومة بدأت بعد أشهر قليلة من انتخابه لتبلغ الأوج يوم الثلاثين من يونيو.

والانتفاضة الشعبية ضد الرئيس مرسي لا تكفي لوحدها لنفي الطابع الانقلابي عن تحرّك القوّات المسلّحة لاعتقال الرئيس المنتخب وقيادات إخوانية أساسية. لأن البديل من التوصيف الإنقلابي لتحرّك الجيش، سيكون أنّ العسكر تحرّكوا بدافع عاطفيّ ليس إلا بعد سماع صدى الجماهير، وهذا لو صحّ لا يطمئن، وتبقى نظرية الإنقلاب أفضل. ثم أنّ الإنقلاب هو “مفهوم تقنيّ” يتصل بتحرّك ضباط في الجيش للاطاحة بالحاكم. وقد يكون الإنقلاب منفّذاً من ضباط في رتب متفاوتة أقاموا تنظيماً سرّياً في ما بينهم، وهذا حال “تركيا الفتاة” و”الضباط الأحرار”، أو يكون على الطريقة التركية، انقلاباً يصدر أمره من قيادة الأركان.

ودون “الإنقلاب” درجة هو “العصيان العسكري” وهذا ما حدث يوم وجّه الجيش انذار الثمانية وأربعين ساعة. أمّا يوم تخطي مرسي ثم اعتقاله فإن التوصيف الإنقلابيّ لا يمكن المكابرة عليه.

إنما أيضاً لا يجوز الاسترسال. ذلك أنّ هذه الإطاحة تحدث في عزّ انتفاضة جماهيرية من ناحية، وفي مجتمع منقسم أهلياً بشكل حاد من ناحية أخرى. وبالتالي إذا كان الأمر انقلاباً، فهذا لا يعني أنّه معدوم الشرعية، لأن الشرعية ليست مسألة مطلقة. الشرعية تزيد وتنقص. والشرعية الدستورية ليست النوع الوحيد من الشرعية، كما يذكرنا الفيلسوف السياسي الفرنسي ايف شارل زرقا في مساهمته ضمن كتاب “إعادة التفكير بالديموقراطية”. لكن الإنقلابات هي مجازفات بالأحرى، من جهة شرعيتها: هي تقترض ما يقوم مقام الشرعية من المستقبل، وفي حالة مصر حالياً، من قدرتها على استئناف المسار الدستوريّ. وهذا، لمصارحة الذات، لسنا نمتلك معطيات توحي بالتفاؤل بصدده كثيراً.

فاذا كان التصوّر الذي سيغلب هو تصوّر أن ثمّة “ثورة” تقابلها “ثورة مضادة” ولا بدّ من تحطيم الثورة المضادة دخلنا في صراع أهليّ عنيف ومزمن. أمّا إذا كان التصوّر الذي سيغلب ولو بعد مرور بعض الوقت، هو أنه ينبغي اللوذ بنتائج الانقلاب، للتفاوض من موقع القوة مع الإسلاميين باتجاه التوصل معهم، الى تسوية تاريخية، فهذا هو وحده السبيل الى الانتقال من الصراع الأهلي الى التداول السلمي على السلطة وفقاً لمرجعية دستورية. أما من يتوهّم أنه يمكنه الانتقال من وضعية مختلّة يربح فيها “الاخوان” ثلاثة استحقاقات انتخابية متتالية الى وضعية يخرج فيها “الاخوان” من التاريخ، فهذا يتوهّم أنّه يمكن بالفعل أن تصير الأمور تداولاً مستقرّاً على السلطة بين مدنيين يختار العسكر أحدهم رئيساً.

ليس هناك ما هو أفضل من المفهوم اللينيني عن “التفاوت في التطوّر” كوصف إجمالي للأوضاع المصرية. فعناصر المشهد المصريّ “متفاوتة في تطوّرها”، بين انتفاضة شعبية واسعة النطاق، وارتكاسة الى التحرّك الانقلابي، وانقسام أهليّ حاد، وامكانية تسخير الوقائع الانتفاضية والانقلابية في اتجاهين متناقضين: اما للاسترسال في صراع أهلي بين “ثورة” وبين “ثورة مضادة”، الأولى “وطنية” والثانية “اسلامية”، أو العكس، بكل ما يمكن أن يطوّره ذلك من احتمالات غير مسبوقة، وامّا وعي نقديّ وواقعيّ، يقرّ باستحالة أن يلغي فريق فريقاً، ويذهب مباشرة الى الفوز بايجابيات الاختلاط بين “الثورة الشعبية” و”الانقلاب العسكري”، أي وضع حد لعام الفشل الذريع، عام محمد مرسي، والبحث عن أرضية دستورية للتداول السلمي على السلطة بين الإسلاميين وغير الإسلاميين.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل