في مصر… سقوط الدعاية العونية (بقلم طارق حسّون)

عند اندلاع شرارة الثورات العربية بالتتالي، تعاملت قوى “8 آذار” مع الحدث بإنتقائيةٍ وتناقضٍ لافتين. في مصر، كانت قوى “8 آذار” السبّاقة الى تأييد الثورة التي اطاحت بالرئيس حسني مبارك وجاءت بـ “حكم الإخوان”. بتاريخ 7 شباط 2011 عقدت قوى “8 آذار” لقاءً تضامنياً لدعم الثورة المصرية، وكانت إذاً، السبّاقة الى إعلان “فليحكم الإخوان”.

موقف قوى “8 آذار” من “الربيع العربي” تبدّل جذرياً عندما لفحت رياحه النظام السوري “الحليف”. فبعدما كانت ثورة مصر بُشرى سارة وخيّرة وحميدة، تحولّت كل الثورات الشعبية العربية من دون استثناء، الى “شتاءٍ وعواصف واصولية وكوانين”!! يتضّح لنا من خلال ذلك ان قوى “8 آذار” لا تهتم مطلقاً لمطالب الشعوب العربية في الحرية والديمقراطية والعيش الكريم، لأنها قائمة بالأساس على النقيض من ذلك، وإنما هذه القوى تنطلق في مواقفها من اعتباراتٍ ضيقّة، خاصة… وفارسية.

تورّط قوى “8 آذار”  في الشؤون الداخلية للبلدان العربية بدأ قبل ذلك بكثير. بتاريخ 28 كانون الأول 2008، وفي تدخّل فاضح بالشؤون الداخلية لجمهورية مصر العربية، دعا السيد حسن نصرالله الضبّاط والجنود المصريين للإطاحة بسلطتهم السياسية. ولاحقاً، اي بعد سقوط الرئيس حسني مبارك، ردّت القوات المسلّحة المصرية بشكلٍ غير مباشر على نصرالله مُعلنةً أنها “لن تسمح بوصول خميني آخر الى الحكم في مصر”. قبل ذلك كانت السلطات المصرية تُلقي القبض على شبكةٍ تخريبية تنشط داخل مصر ويقودها المسؤول في “حزب الله” سامي شهاب.

وبالمقابل، فإن سياسة “القوات اللبنانية” قائمة على عدم التدخّل في الشؤون الداخلية للدول العربية، فسواء كان الحكم ديكتاتورياً او دينياً او ديموقراطياً او ملكياً، يعود للشعب العربي وحده تقرير شكل وطبيعة الحكم الذي يرتضيه لنفسه. و”القوات اللبنانية” بهذا المعنى، “لن تكون ملكيةً أكثر من الملك”.

ولكن، إذا صودف ان شعباً ما، سواء كان عربياً او “اعجمياً”، قررّ الثورة على الجور والظلم والطغيان وجوبهت مطالبه المُحقّة، بالقتل والقصف والإبادة الجماعية، فإن “القوات اللبنانية”، وإنسجاماً مع علّة وجودها ووجود لبنان، والقائمة على مبدأ الحرية والإنسان، لا يمكن ان تغسل يديها من “دم هذا الصدّيق”، وإنما ستجد نفسها منحازةً تلقائياً لمطالب الشعوب المُحقّة. وهكذا، انحازت “القوات اللبنانية” الى مطالب الشعب المصري، بالرغم من العلاقات الوطيدة التي كانت تربطها بالرئيس حسني مبارك، تماماً مثلما اعلنت دعمها لمطالب الشعب السوري المقهور.

موقف “القوات اللبنانية” من عمليات القمع والإبادة التي مارستها بعض الأنظمة الديكتاتورية على الشعوب العربية أخيراً، ينطلق من اعتباراتٍ مبدئية، ولا يتغيّر بحسب الظروف أو الأهواء والمصالح.

عندما قرر الشعب المصري إيصال الأخوان المسلمين الى الحكم ديمقراطياً في مصر، ما كان من “القوات اللبنانية” سوى إحترام خيار هذا الشعب حتى ولو كان “الإخوان” على طرفي نقيض من عقيدة “القوات”، وذلك إنطلاقاً من ان “القوات اللبنانية” لا تتدخل في الشؤون الداخلية للبلدان الخارجية وتحترم قرارات الشعب في اختيار نظام الحكم الذي يُريده.

بالأمس وصل الإخوان المسلمون الى الحكم ديمقراطياً في مصر، فاحترمت “القوات اللبنانية” خيار الشعب المصري. اما اليوم فعاد الشعب المصري نفسه وأسقط حكم الأخوان، امّا “القوات اللبنانية” فرحبّت من جديد بخيار الشعب. إذا عاد الشعب المصري وقرر الإطاحة بحكم الليبراليين ديمقراطياً، والإتيان بالإسلاميين من جديد، فموقف “القوات اللبنانية” المُرحّب بقرار الشعب سيبقى على حاله ولن يتبدّل.

وبالمقابل، لم ينتظر التيار العوني سقوط الأخوان المسلمين في مصر حتى اعلن النصر ورفع اكاليل الغار البرتقالية، مُعلناً نهاية حكم “التكفيريين”! ولكن، “إعلان النصر” العوني ليس سوى إنقلابٍ على كل “الأدبيات” العونية في المرحلة السابقة، وتنكّرٍ لكل الدعايات والشائعات التي بثّتها البدعة العونية في الشارع المسيحي بغية ترهيبه، وإخافته، وحضه على رفض فكرة “الربيع العربي” من اساسها، ودفعه لكي يتقبّل، بكل طيبة خاطر، بقاء حكم الديكتاتورية “الذي يحمي الأقليات من شتاء التكفيريين العاصف”!

لم تصمد الدعاية العونية امام نسمة “ربيعٍ” واحدة هبّت عليها من الشارع المصري. التخبّط العوني بلغ اوجّه كالعادة: “ما العمل وقد تبيّن أن الربيع العربي هو ربيعٌ بالفعل، وليس كما حاولنا تصويره بأنه خريفٌ وأصولية؟ ما العمل، وقد سقط “حكم الأخوان” الذي نسجنا الروايات والأضاليل والشائعات حوله، من اجل إيهام المسيحيين بأن البديل عن حكم بشار الأسد ما هو إلاّ حكم “الأخوان المسلمين”؟ ما العمل وقد تبيّن ان “جبهة النصرة” التي سعينا لتضخيمها إعلامياً، لن تكون البديل الطبيعي عن بشّار الأسد، وإنما احزابٌ ليبرالية وقومية وعلمانية، وشرائح تعكس الفسيفساء الاجتماعية والطائفية السورية؟”.

تساؤلاتٍ كثيرة طرحتها قيادة البدعة العونية على نفسها، وطرحها العونيون عليها. لكن البدعة العونية لم تكلّف نفسها عناء البحث عن مخرجٍ لائقٍ لهذا التخبّط، فاختارت كعادتها، الطريق الأسهل. لقد قررّت البدعة العونية، بأن سقوط “الإخوان” هو سقوطٌ لرهان سمير جعجع!!!

ولكن حقيقة الأمر إن سقوط “الإخوان”، ما هو إلاّ سقوطٌ للدعاية العونية الهدّامة، وإنتصارٌ لخيار سمير جعجع.

إن رهان الدكتور سمير جعجع الأول والأخير، كان على نجاح “الربيع العربي” في الوصول الى شاطىء الديمقراطية، والتعددية وحقوق الإنسان. امّا رهان التيار العوني فقام ويقوم على تفشيل “الربيع العربي” وإتهامه بـ “التكفيرية” و”الشتاء والعواصف”.

مع سقوط حكم الإخوان على يد “الربيع العربي” بالذات، تبيّن ان طبيعة “الربيع العربي” تنسجم مع التوصيف الذي اطلقه الدكتور جعجع منذ اللحظة الأولى، وتتناقض بالمقابل، مع الإتهامات بالتكفيرية والعواصف والأصولية التي الصقتها الدعاية العونية زوراً بها.

اليوم اقرّت الدعاية العونية، من حيث لا تدري، بأن البديل عن الديكتاتورية ليس الأصولية بالضرورة!

اليوم اقّرت بأن “القوات اللبنانية” كانت مُحقّة عندما تبنّت شعارات “الربيع العربي”، فيما التيار العوني كان يحاول رميه بشتّى انواع الأوساخ والقذارات، لا لشيء إلاّ لتبرير بقاء بشّار الأسد في السلطة.

وأخيراً اقّرت العونية ان الثورة تُصحح نفسها، وتُعدّل نفسها، وتتماوج وتتحرك قبل ان تبلغ شاطىء الإستقرار والهدوء، الذي يتبع العاصفة تلقائياً.

 اليوم، فقط اعترفت العونية ان زوال الدكتاتور في سوريا لن يُنتج بالضرورة حكماً تكفيرياً. فلنتّفق إذاً على ضرورة زوال ديكتاتور”السجون والقبور” قبل كل شيء، ومن ثم فلنترك للشعب السوري، مثلما تركنا للشعب المصري، حق تقرير مصيره بكل ديمقراطية، وإختيار طبيعة الحكم الذي يرتضيه لنفسه. هذا هو المنطق السليم الذي دعا اليه الدكتور سمير جعجع، سواء في ربيع مصر او في ربيع سوريا، او في اي ربيعٍ آخر يُزهر في المنطقة والعالم.

الدعاية العونية تقوم على نظرية “عنزة ولو طارت”. إذا حَكم “الإخوان”، فذلك هو “الخريف العربي” الموعود، امّا إذا سقط “الإخوان” على يدّ الشعب نفسه الذي جاء بالإخوان، فذلك هو “خريف الإخوان وربيع بشّار”. فما هو هذا الرابط الغريب العجيب الذي وجده العونيون بين سقوط “الإخوان” وبين بقاء الأسد؟

إن سقوط “الإخوان” ما هو إلاّ سببٌ إضافي للتعجيل في سقوط بشّار، لأن الدعاية البعثية والعونية التي ارادت تفشيل “الربيع العربي” من خلال بثّ مناخات الخوف لدى الأقليات وإثارة غبارٍ من الشكوك حول هذا الربيع، سقطت سقوطاً مدوّياً امام صورة اجتماع بابا الأقباط ومفتي الأزهر، مع ممثل الثورة المصرية وهم يضعون سوياً خريطة طريق “الربيع المصري” المنشود.

هذه هي صورة “الربيع العربي” المشرقة التي ارادت “القوّات اللبنانية” تظهيرها منذ اللحظة الأولى لإندلاع شرارة الثورة. وهذه هي الصورة التي حاولت ماكينة الدعاية والكذب العونية تشويهها وإنكارها، في مقابل ربط “الربيع العربي” بصورة “اكلة الأكباد”، الذين ليسوا سوى صنيعة النظام السوري بالأساس.

إن الشعب العربي الذي لم يهضم وصول “الإخوان المسلمين” الى الحكم في مصر، كيف له ان يهضم او ان يتقبّل او ان يرضح لحكمٍ “جبهة النصرة” في سوريا؟ مع العلم بأن “الإخوان المسلمين” يوسمون بالإعتدال نسبةً الى جبهة النصرة العونية، وبالتالي فإن هذه المقارنةً لا تصّح بالأساس.

هل يتقبّل الشعب العربي حكماً تكفيرياً بالمعنى الديني للكلمة، وهو الذي دفع مئات الآلاف من الضحايا لإزالة حكمٍ تكفيريٍ بالمعنى السياسي والإجتماعي والأقلّوي للكلمة؟

في قاموس العونية، الخيار الوحيد المتاح امام الشعوب العربية هو بين التكفيرية السياسية التي يمثّلها بشّار الأسد، وبين التكفيرية الدينية التي تُمثّلها جبهة النصرة.

ولكن الوقائع التي تظهّرت في مصر أخيراً اكدّت صوابية وجهة نظر الدكتور سمير جعجع، وبرهنت بما لا يقبل الشّك، ان خيار شباب “الربيع العربي” الوحيد، لا هو التكفيرية السياسية ولا التكفيرية الدينية، وإنما…الحرية ثم الحرية ثم الحرية…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل