انكشف المشهد الداخلي في الاسبوعين اللذين اعقبا احداث عبرا وصيدا مع “ايام التضامن” الاخيرة في عاصمة الجنوب عن مقارنة لا نعتقد ان اي لبناني صميم لا يشعر حيالها بصدمة او خوف. مقارنة بين معاناة طويلة كابدها المسيحيون ابان حقبة الوصاية السورية ومعاناة تكابدها قوى الاعتدال السني حالياً.
عن حق او عن باطل ما كان لمقارنة كهذه ان تستعيد وجه ظلامة لطائفة او لشارع، لو لم يكن السبب واحدا في المقلبين هو مصادرة الدولة وتسخيرها في وجهة سلطوية قاهرة احادية، سواء كان المُصادر سورياً او لبنانياً.
تحفز هذه المقارنة كلمة ألقتها النائبة السيدة بهية الحريري في طرابلس السبت الماضي كأنها دعوة الى “ثورة حقوقية” عارمة تتجند فيها مئات الفرق الحقوقية لاغراق القضاء بظلامة تعتمل بخطورة متصاعدة لدى من تمثله النائبة وفريقها وفئات واسعة لمقاومة “مخرز” التسلط. وبصرف النظر عما يقوله خصوم هذا الفريق وادبياته في تبرير ما جرى في صيدا وسواها، لا نخال عاقلا يمكنه ان يتجاهل مآل هذا الاعتمال الذي يشبه ما شهده الشارع المسيحي ابان السطوة الساحقة في عصر النظام الامني المشترك ما بين 1990 و2005. لا يحتاج الامر الى انعاش الذاكرة بان العماد ميشال عون نفي الى فرنسا والدكتور سمير جعجع سجن وحصرت المحاكمات والاعتقالات وممارسات القمع بالشارع المسيحي المقاوم للوصاية السورية.
ليس في لبنان اليوم “دولة قامعة” على ذلك الطراز بكل وجوهه. حتى ان اللبناني كان يمكن ان يتمنى وجود دولة تتمتع بقوة القمع ولكن بعدالة السطوة. ومع ذلك ثمة جانب خطير من خلل متفاقم لم يعد ممكنا معه ادارة الظهر لعدوانية متصاعدة بين بعض اجهزة الدولة العسكرية والامنية بغطائها السياسي والحزبي وحتى المذهبي والشارع الذي يمثله الاعتدال السني. ونقول الاعتدال لا التطرف تحديدا، لان حيثية المعتدلين حين تحشر وتحصر وتحاصر ولا تجد من يسمع ويقرأ ويعيد الحسابات ويجري المراجعات تغدو اخطر بكثير من المتطرفين القابلين للتوظيف والضرب والتصفية حتى على ايدي من ابتكرهم وتلاعب بهم.
ومخطئ تماما من يعتقد ان الألاعيب المخابراتية التي كانت سائدة ابان عصر الوصاية لا تزال “صالحة” للاستعمال والاستعادة في زمن زحف الصراع المذهبي الاقليمي على لبنان، وفي حقبة تدفق انعكاسات الحرب السورية عليه. ومخطئ اكثر من يظن ان تماهيه مع بشار الاسد الذي لم يعد يذهل احدا في “تهييصه” للثورة المصرية الثانية، سيمكّنه من تطويع خصومه لمجرد انه لا يتقن الا اتباع تعليمات قمع بائد فجّر وصايته في لبنان ودمر سوريا ولا يزال يمجده حتى الخلجات الاخيرة.
