بمعزل عن نظرية المؤامرة التي يتبنّاها البعض لتبرير مواقفه وتصرّفاته ولا تتمتّع بشعبية جماهيرية، اصبح هناك شبه اجماع شعبي وسياسي وروحي، ان الشتائم تجرّ السباب، والاتهامات تجرّ التخوين، والسلاح يجرّ السلاح والفتنة، وشريط الاحداث في لبنان منذ العام 2005 حتى اليوم، يثبت صحّة هذه المعادلة، ويضيف اليها ان القهر والظلم، يجرّان الثورة والانتفاض على الواقع، وايّ نقض لهذه المعادلة، من اي طرف كان، يعني انه، امّا يريد تغطية السماوات بالقبوات، وامّا انه يعيش خارج الزمان والمكان، وتلمّس الحقائق على الارض، وحتى لا يبقى الكلام، مجرّد كلام يضيع في الفضاء، لا بدّ من ايراد أمثلة حصلت في لبنان وسوريا ومصر وجميع الدول العربية التي شهدت وتشهد انتفاضات شعبية، لأسباب تتعلق امّا بالظلم او الظلامية، او بالقمع والقهر والفساد، أو بالتسلّط والدكتاتوية وفرض القوّة.
في لبنان، كان المسيحيون في العام 1973، لا يملكون، او لا يملك بعضهم سوى بنادق صيد، وفي احسن الاحوال المسدسات، وجرّهم السلاح الفلسطيني، والغطرسة الفلسطينية، وحلم الوطن البديل، الى التسلّح والقتال، دفاعاً عن الوطن والنفس والحرية، وتجددت هذه الحالة في العام 2005 بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري واندلاع التظاهرات السلمية ضد الوجود العسكري السوري في لبنان، وضد النظام الامني اللبناني – السوري، ورغم التظاهرات المليونية لقوى 14 آذار، لم يحصل حادث واحد تسببت به هذه الجماهير، رغم اصابة العديد من المتظاهرين قبل التظاهرات السلمية وبعدها عندها بدأ نداء السلاح يتردد ولو ضعيفاً، ويقوى مع كل حادث او اعتداء او اغتيال يقع، وتعجز الدولة عن كشفها او وقفها.
الحراك الشعبي في سوريا، طلباً لاصلاحات تؤمّن الحرية والديموقراطية وحقوق الانسان، والعيش الكريم، بدأ سلمياً واستمر لاشهر سلمياً، لجأ بعدها المعارضون الى السلاح، ليقف في وجه سلاح النظام، وسوريا اليوم، تدفع ثمن اللجوء الى السلاح، قتلاً وتدميراً وخراباً وتهجيراً، لا يعرف سوى الله نهايته، وما يصحّ في لبنان وسوريا يصحّ في تونس وليبيا واليمن وفي مصر، حيث يجرّ الاخوان المسلمون الشعب المصري كله الى آتون الفتنة والحرب، بلجوئهم الى السلاح في وجه الاغلبية الساحقة المسالمة، من المصريين، واذا طالت الامور وتعقّدت، ولم يحسم الجيش المصري الأمر، فان بركة الدم المصري ستكون عميقة جداً.
* * * *
هذا واقع ملموس ومعيوش، لا علاقة له بنظرية المؤامرة الحاضرة في كل حين في خطاب من يملك السلاح، لتبرير حمله والاستمرار في حمله، وقد سبق للمطارنة الموارنة، قبل انتخاب المطران بشاره الراعي، بطريركاً خلفاً للبطريرك مار نصرالله بطرس صفير المستقيل بسبب تقدّمه في السن، وحذّروا في اكثر من بيان وتصريح من خطورة انتشار السلاح غير الشرعي، وبيانهم الأخير برئاسة الراعي ليس سوى تأكيد لبياناتهم السابقة، خصوصاً بعد معارك طرابلس وعبرا وصيدا، والبقاع والشمال وتورّط البعض في سوريا، وما اعلن عن مشاركة سرايا المقاومة في هذه المعارك، وقد حان الوقت لفتح هذا الملف الخلافي بامتياز، بكثير من الايجابية والتفكير لبنانياً، على قاعدة انه، لتكون وجهة اي اعتداء اسرائيلي على لبنان مجدية وناجحة، لا بد من ترتيب البيت الداخلي، بما يكفل المساواة بين جميع مكوّنات الشعب اللبناني بعيداً من الفوقية والتفرّد والفرض، واللقاء المرتقب بين بكركي وحزب الله فرصة سانحة لتغيير مسار لبنان الانحداري بسبب فوضى السلاح غير الشرعي، ويجب اغتنامها لا تضييعها، كما يحصل في غالب الاحيان.