التمايز العوني بين المناورة والسقف “الاستراتيجي” –
لماذا سارع السفيران الإيراني والسوري إلى الرابية؟
لم يعتقد معظم السياسيين بأن حركة رئيس” التيار الوطني الحر” العماد ميشال عون التي حظيت باهتمام اعلامي داخلي اخضعها للتكهنات والتفسيرات عن احتمال ابتعاد عون عن حليفه “حزب الله” بأنها تتعدى اطار المناورة الداخلية السياسية التي يحسن رئيس التيار القيام بها. فاستياؤه من حليفه اتصل وفق ما ساد لدى عارفيه وخصومه على حد سواء باصرار حليفه على التمديد لقائد الجيش العماد جان قهوجي في موقعه فيما هو يدفع بتعيين قائد المغاوير صهره شامل روكز قائدا للجيش. ومع ان الاخير يتمتع بالمواصفات التي تؤهله لهذا المنصب وفق ما يعتقد كثر، فان تزكيته من عون واصرار الاخير على انه الاولى بهذا الموقع، تكاد بالنسبة الى العارفين تهدر كل فرصة له كما فعل بالنسبة الى اصراره على تعيين رئيس مجلس القضاء الاعلى في حين ان المواقع المماثلة غالبا ما يجب الا تفقد هيبتها وموضوعيتها او حيادها من خلال نسبتها الى طرف سياسي بالطريقة المباشرة التي يعتمدها عون في المطالبة بها. وسرى على نطاق واسع ان الغداء الذي اقامه للسفير السعودي علي عواض عسيري والذي كان من ترتيب الوزير جبران باسيل بعد عشاء اقامه الاخير لعسيري في منزله انما اندرج في اطار هذه “التكتكة” السياسية علما ان نتائجها قد تكون ايجابية بالنسبة الى تياره وعدد كبير من اصحاب رؤوس الاموال والعاملين في دول الخليج والذين باتوا يخشون في ضوء موقف دول مجلس التعاون الخليجي من ” حزب الله” ان تسري اجراءات الابعاد عليهم ايضا فتصيبهم باضرار جسيمة تنعكس عليه ايضا وعلى تياره. لكن الديبلوماسي السعودي تلقف الدعوة على قاعدة اعطاء هذا الانفتاح فرصة قد تؤدي في خلاصتها الى رغبة عون في اعادة ترتيب علاقاته واعادة النظر فيها ربما في اطار قراءته الاوضاع في المنطقة ومآلها خصوصا اذا اخذ في الاعتبار تداعيات الصراع السني – الشيعي في المنطقة وتأثيره السلبي على اوضاع المسيحيين في الدول العربية.
ولا يمكن القول ان هذا الانفتاح لم يثر الاهتمام السياسي والديبلوماسي على حد سواء وكان موضع استطلاع واسئلة ولو انه لم يكن لدى معظم الاوساط السياسية اي اوهام بان الامر يتخطى سعي عون الى تحسين شروطه مع حليفه الشيعي وفي الوسط الاقليمي الذي يتفاعل فيه. اذ ان متابعي مواقفه لاحظوا حرصه في عز اشهار خلافه مع رئيس مجلس النواب نبيه بري او مع ” حزب الله” على اعتبار ان التفاهم مع الاخير مستمر على المستوى الاستراتيجي وهو الموقف الذي انهى به اسبوع تمايزه في مواقفه عن حليفه الشيعي بعد زيارتين لافتتين متعاقبتين لكل من السفير الايراني غضنفر ركن آبادي والسفير السوري علي عبد الكريم علي للرابية عبرتا عن قلق ساور كل منهما من زيارة السفير عسيري لعون. ومع ان عدم وجود اي اوهام كانت سارية بمعنى ان مسألة فك التحالف مع الحزب لا يمكن ان تكون جدية لاعتبارات تتصل بواقع المصالح الانتخابية وسواها في مناطق وجود الحزب وسيطرته فضلا عن المناطق الاخرى كما انها لا يمكن ان تكون واردة او محتملة الحصول لاعتبارات تتعلق بالتساؤل حول وجود هامش لتبديل خياراته السياسية او عدم وجود هذا الهامش وما يمكن ان يعنيه ذلك للمهتمين، لكنه استطاع ان يثير انتباه من يهمه الامر في المحور الايراني – السوري.
وهو لعب اللعبة السياسية بكامل حيثياتها اذ كان استقبل السفيرة الاميركية مورا كونيللي قبل اسبوع تقريبا من استقباله عسيري على رغم ان الرسائل من الزيارتين قد يكون لخصها البيان الاستباقي الذي اصدره السفير السعودي قبيل ساعات من توجهه الى الرابية من ضرورة “مراجعة حزب الله” سياساته تجاه الطائفة السنية ” معتبرا ” ان الممارسات التي يقوم بها الحزب بحق لبنان تزيد الانقسام وتعرض البلاد لاخطار لن تكون الطائفة الشيعية بمنأى عنها “.. وما لبث ان شارك تيار عون باحتفالات الرابع من تموز في السفارة الاميركية بنسبة اكبر من المعهود مع حضور الوزير باسيل بصفته الوزارية وروكز بصفته العسكرية الى جانب آخرين. فكانت زيارة السفيرين الايراني والسوري من اجل الوقوف على خاطره ومنع اتخاذ هذا المنحى اتجاها جديا بما يمكنه على الارجح وفق ما ترى الاوساط السياسية المتابعة من توظيف عملية تحسين شروطه التي خاضها في الوقت والمكان المناسبين، خصوصا ان تفسير مواقفه بات يصب في اطار الاعتراض على تدخل ” حزب الله” في الحرب الى جانب النظام السوري مما يساهم في افقاد الحزب الغطاء السياسي الوحيد في الداخل لحركته.
الا ان الدلالة بالنسبة الى متابعين سياسيين من مسارعة السفيرين الايراني والسوري هي في محل آخر. اذ وبغض النظر عن جدية عون في التمايز والابتعاد ام لا او محاولة رصده لإمكان ذلك او تلويحه للبعض في الخارج بوجود النية لديه في التمايز ربما تمهيدا لاي فرصة قد تظهر في حال اجراء انتخابات رئاسية من انه يمكن ان يبتعد عن هذا الحلف، فان هؤلاء فهموا من حركة السفيرين الايراني والسوري الاستيعابية عدم السماح بتغييرات محتملة في المعادلة السياسية الداخلية وان هناك مخاوف ساورت هذا الفريق من اي مؤشرات توحي باحتمال قلب الموازين السياسية في الداخل خصوصا في هذه المرحلة.