#adsense

لهذه الأسباب سمّوه “تمرّد”

حجم الخط

 

 

عندما أطلق الشباب المصريون حركة احتجاج تحت اسم “تمرد”، كان عدد كبير من المعلّقين وزعماء العالم غافلين عما يجري من حولهم، تماماً كما حصل قبل 25 كانون الثاني 2011 عندما كانوا يسمّون حسني مبارك رئيس مصر ولم يشيروا يوماً إلى حكمه بأنه ديكتاتوري أو نظامه بأنه سلطوي. كان السباق لاستخدام هذه التوصيفات، بنعته جهاراً بالديكتاتور والمستبدّ، أكثر من مفاجئ، وكشف عن جهل لأوضاع مصر وتاريخها. وقد سارع بعض وسائل الإعلام إلى تبنّي الحالة الميدانية الجديدة ودعمها، مما أظهر جهلاً للماضي وعدم إدراك للمستقبل وللتحدّيات التي يحملها.

الحركات الثورية الشبابية نادرة وتحمل مخاطر كثيرة للمشاركين فيها. الثورات التي شهدناها في مصر وتونس، وما نشهده الآن في سوريا، كانت أشبه بالأسطورة قبل سنتين فقط. أما الآن فباتت ممكنة، وأنا، بين آخرين، أريدها أن تنجح. رأيت إمكان التغيير يتحقّق مرات عدة، ورأيتها تتعرّض للقمع والتشويه والسرقة والاختطاف مرات لا تحصى. على أولئك الذين ينكرون على ملايين المصريين ثورتهم واصفين ما جرى بأنه “انقلاب” ومطالبين بـ”ديموقراطية حقيقية”، أن يعيدوا النظر في موقفهم على الفور. ليست مسألة أسود وأبيض، ويجب ألا تكون كذلك. لم يعش المصريون، شأنهم في ذلك شأن العرب جميعاً، في نظام ديموقراطي في ما عدا أولئك الذين يقيمون في الخارج. خلال العام الماضي، كانت الفرصة سانحة أمام “الإخوان المسلمين” لمنح المصريين الديموقراطية التي يتطلّعون إليها. لو تمكّن محمد مرسي من منحهم قدراً ولو ضئيلاً من الديموقراطية، لما انتفض الشعب. لكنه أمضى عاماً كاملاً في الحكم ولم يحقّق شيئاً، لا بل على العكس تماماً ازدادت الأمور سوءاً بالنسبة إلى مصر والمصريين. ألقى خطاباً استمر ثلاث ساعات تقريباً في الذكرى الأولى لتولّيه الرئاسة، ولم يقل شيئاً لتهدئة الأمور أو مدّ يده إلى ملايين المصريين الذين أرادوا أن يرحل وكانوا مستعدّين للانتفاضة عليه. ثم كانت أمامه 48 ساعة لتصحيح الأمور، ولم يفعل شيئاً ما عدا التحريض والتحضير لتظاهرات مضادّة وكأننا في منافسة: “حشدي أكبر من حشدكم”.

هذه ليست ديموقراطية، أو على الأقل ليست الديموقراطية التي حلم بها المصريون. هذه ليست الديموقراطية التي يعملون بلا كلل على إرساء دعائمها.

النقطة التي يبدأ بها الأشخاص روايتهم مهمّة جداً لاكتشاف نياتهم ومعرفة موقفهم مما جرى: هل يعتبرونه انقلاباً أم لا أو هل ما يجري في مصر الآن مبرّر أم لا؟ وهكذا، قد يبدأون حديثهم بالكلام عن مجزرة قتل فيها أكثر من 50 متظاهراً مؤيّداً لمرسي وأصيب المئات بجروح على أيدي الشرطة المصرية. أو يمكن أن يقولوا إن القتلى مواطنون أبرياء وكانوا يؤدّون الصلاة عند وقوع الهجوم غير المبرّر، أو أن عناصر مسلّحة من جماعة “الإخوان المسلمين” هاجمت الشرطة أولاً. وبالطبع يمكن أن تبدأ الرواية أيضاً بالقول إن الجيش المصري جرّد محمد مرسي من صلاحياته ووضعه في الإقامة الجبرية وأقفل وسائل الإعلام التابعة لـ”الإخوان المسلمين” واعتقل قياداتهم.

أما أنا فأختار أن أبدأ الرواية من النقطة التي بدأ عندها كل شيء، وأنظر إلى الأمور بأنها سلسلة من الأحداث المتعاقبة. لذلك أعتبر أن التقدير الأكبر في الثورة يستحقّه الشعب. من هذا المنطلق، إنه حارس الثورة، وبغض النظر عن الفوز أو الخسارة في الانتخابات، يبدو أنه يريد حراسة ثورته ومحاسبة الجميع. التطوّرات الأخيرة التي أدّت إلى سقوط مرسي هي ثمرة تمرّد شعبي؛ الشعب قاد الانقلاب قبل وقت طويل من تدخّل الجيش.

المصدر:
النهار

خبر عاجل