يهرب من مأزق انكشافه السياسي التام أمام عموم اللبنانيين، إلى تنظيم حفلة ردح طنّانة ضدّ 14 آذار عموماً و”تيّار المستقبل” خصوصاً. وبدلاً من أن يردّ على الاتهامات المصيرية الخطيرة والكبيرة والواضحة التي وُجِّهت إليه من غير خصومه التقليديين الذين يصرّ على اعتبارهم أعداء، يضع تكتيكاً عسكرياً (على عادته) على الطاولة الإعلامية والسياسية: يعتمد الهجوم كأفضل وسيلة للدفاع!
والحاصل أنّ ذلك، هو أوّل وأساس المشكلة مع هذا الحزب: يتناول القضايا الخلافية السياسية والفكرية القائمة من زاوية حربية وجهادية لا تحتمل التسوية واحتمالاتها ومناخاتها وطقوسها.. حزب عسكري في مجتمع مدني أهلي. وحزب مؤدلج بنصٍّ خاص يريد تعميمه. وحزب آتٍ من نواحٍ فكرية شديدة الخصوصية (وهذا حقّه) لكنه يريد أن يجعل تلك النواحي خيمة فوق الجميع، ثم لا يقبل الجدال. والأنكى أنّه ينكر الإجماع ولا يطلبه. أي يقول للآخرين المختلفين عنه ومعه أنّه لا يطلب إجماعاً وإنّما إذعاناً، ولا يطلب “الاحترام” وإنّما الخوف، ولا يطلب التفهّم وإنّما الخضوع.
لعبتة الراهنة في الإعلام والسياسة هي امتداد للعبته الميدانية الأحدث والأخطر التي سُجِّلت في عبرا: يعتبر أنّ الهجوم على سلاحه ودوره وسياساته وإجراءاته هو حُكماً هجوم على الجيش ودوره. يأخذ الفرع ويجعله متناً ويأخذ التفصيل ويجعله الأصل. يختبئ وراء الدفاع عن الجيش (؟؟) كي لا يجيب عن الأسئلة الكبيرة الخاصة بسلاحه وجيشه!
سبق له أن جعل المواقف من “وظيفة” سلاحه، مواقف من ذلك السلاح! مثلما سبق له أن جعل المواقف من ذلك السلاح مواقف من “مقاومته”. مثلما سبق له أن جعل المواقف من الشطط تحت شعار تلك المقاومة، مواقف تتّصل بأصل الموقف من إسرائيل ذاتها! وكأنّه هو وحده الديّان والقياس والمقياس: مَن ليس معه فهو مع إسرائيل! ومَن ليس مع سلاحه الداشر والفالت في الداخل فهو ضدّ الجيش اللبناني! ومَن رفض ويرفض وضع المسدس على الطاولة في كل نقاش هو بالتأكيد مرتبط وعنده نيّات شرّيرات وبرامج طموحات تبدأ بتمكين “الأعداء” من السيطرة على المنطقة، ولا أحد غيره وغير رّب الدنيا، يعرف أين تنتهي!
“الموضوع” الأصل هو سلاح “حزب الله” وممارساته وحواشيه وسراياه وليس الجيش بل جانب من ممارسات سُجِّلت في حسابه. وهناك فارق جوهري وحسّاس وكبير يحاول الحزب أن يمحوه ليجعل التماهي تاماً بينه كحالة مسلّحة غير شرعيّة ومناقضة للإجماع الوطني وبين الجيش كمؤسّسة شرعيّة مركزيّة ومحوريّة تحظى بإجماع وطني لا يُناقَش ولا يُجادَل.
و”الموضوع” الأصلي الموازي هو أنّ مواقف تاريخية صدرت عن مجلس المطارنة الموارنة تتّصل بمسلّمات عامّة أكثر من كونها اصطفافاً إلى جانب فئة ضدّ أخرى، وفي رأسها، إعادة التأكيد أنّ كل سلاح غير سلاح الجيش والقوى الأمنية الرسمية هو سلاح غير شرعي، فلماذا يهرب “حزب الله” من ذلك إلى استهداف 14 آذار؟ ولماذا لا “يوضّح” للسادة المطارنة الموارنة حقيقة وضعه ووضع سلاحه وأدواره في الداخل والخارج؟.. ثمّ لماذا لا “يوضّح” لحليفه “التيّار الوطني الحر” وجمهوره طبيعة دوره في سوريا؟ وأين ارتباطاته وتحالفاته التي حتّمت ذلك الدور من تفاهم “مار مخايل”؟!
زمن غريب. وأغرب ما فيه أن يصبح اللاغي العملي والفعلي الأوّل والوحيد لوحدانيّة الشرعيّة ومؤسّساتها المسلّحة، هو مَن يدّعي الدفاع عنها! وأن يصبح المدافع الأوّل عنها والطالب المجدّ لها، والباحث في صحراء الممانعة والمناتعة عنها وعن فيئها ومائها هو العدو والمتآمر عليها والمطلوب للمقصلة!! هَزُلت.