#adsense

الأسد «يمْسَح» حمص ديموغرافيّاً قبل إسقاطها عسكريّاً

حجم الخط

في الوقت المصريّ الضائع، لا يضيِّع الرئيس بشّار الأسد وقتاً ثميناً. وفي ظلام الليل المصري، هناك أحداث كثيرة تجري بعيداً عن الأنظار: حمص تسقط ديموغرافيّاً… تمهيداً لإسقاطها عسكريّاً.

هناك “قُصَير” جديدة قيد الوقوع إسمها حمص. القُصير الأولى جرَت تغطيتها عالميّاً بأحداث ميدان “تقسيم” في إسطنبول. والقُصير الثانية تغطّيها أحداث ميدان “التحرير” وميدان رابعة العدوية.

ما يجري في حمص يفوق شراسةً ما جرى في القُصير: تدمير منهجيّ لكامل المدينة بالماكينة العسكرية البرّية والجوّية، مع وجود دلائل إلى استخدام السلاح الكيميائي ضدّ المدنيين. وفي اختصار إنّها “الأرض المحروقة”.

ويعتقد الخبراء أنّ “الجيش السوري الحرّ” سيجد صعوبة في الصمود بسبب الاختلال في التوازن العسكري لمصلحة النظام، وعدم قدرة المعارضة على إيصال العديد والعتاد إلى المناطق الحسّاسة استراتيجيّاً.

فمعركة القُصير والبلدات المجاورة في ريف حمص منَحت النظام أرجحية عسكرية على خصومه، بدعم مباشر من “حزب الله”، وتحت قيادة عسكرية إيرانية حثيثة، وإشراف تقنيّ للخبراء الروس.

والأكثر أهمّية في منهج “الأرض المحروقة” هو تصحير الأرض تماماً. فلا تعود صالحة للسكن. وما يبقى سالماً من المساكن لا يمكن لأهله إلّا أن يغادروه، خوفاً من انتقامات جماعية عند سقوط الحيّ أو المدينة عسكريّاً. وهكذا تصبح حمص فارغة تماماً. وانتظاراً لهذا الفراغ، يتمّ إحراق قيود السجلّ العقاري ودوائر الأحوال الشخصية، ما يكفل إضاعة معالم الانتماء إلى المدينة، وملكية الأراضي والمساكن والمؤسّسات والأوقاف.

يعني ذلك أنّ حمص، بعد القُصير… واستباقاً لمدن وقرى أخرى واقعة في البقعة التي يرغب النظام في “تنظيفها”، تتعرّض لتغيير ممنهج في الملامح الديموغرافية. وهذا يرتبط مباشرة بالمخطط الذي يتردّد أنّ الأسد يعمل لتحقيقه، أي رسم الخطوط لمنطقة النفوذ العلوية في موازاة منطقة الحدود مع لبنان.

وهذه المنطقة، وفقاً للخبراء، تبدأ بالساحل السوري وتتّجه شرقاً وجنوباً إلى حلب، أو جزء منها على الأقل، وحمص ودمشق بكاملهما، وصولاً إلى الجولان.

وقد تنجح المحاولة في استيعاب كلّ هذه المناطق أو يتعذّر تحقيق ذلك بالكامل. لكن لا هدف للأسد والمحور الداعم له في الوقت الحاضر سوى كسب الوقت لتحقيق هذه الغاية. فالباقي ليس إلّا تفاصيل لا قيمة لها.

يعني ذلك الاستيلاء على كامل المنطقة المحاذية للحدود مع لبنان. وستكون السيطرة من الجهة اللبنانية لـ”حزب الله” بالكامل، ما يؤمّن تواصلاً أو تداخلاً بين البقعتين الخاضعتين للنظام ولـ”الحزب”، فتوفّر الواحدة دعماً للأخرى.

ويَفترض ذلك قيام النظام و”الحزب” أيضاً بعمليات “وقائية” في العديد من النقاط اللبنانية القريبة من الحدود، سواءٌ في البقاع أو الشمال، وعكّار تحديداً.

وهذا التداخل بين النظام وحليفه اللبناني سيتيح، على الأرجح، قيام منطقة نفوذ مشتركة يصعب دحرها. وهي ستكون الركيزة التي يستند إليها الأسد في أيّ حوار حول مستقبل سوريا.

ففي الحدّ الأقصى ستوفّر هذه المنطقة للأسد إمكان استعادة السيطرة على سوريا بكاملها، لا بالعسكر، بل نتيجة صفقة إقليمية – دولية على حساب المعارضة. وفي الحدّ الأدنى، ستوفّر له الصمود في القتال إلى النهاية.

فالمعارضة لا تمتلك القدرات العسكرية التي تسمح لها بحسم المعركة وإسقاط الأسد، لكنّها قد تكون قادرة على الاستمرار طويلاً جدّاً في حرب الاستنزاف التي تكرّس الشروخات المذهبية.

ولذلك، ظهر الرئيس السوري مرتاحاً في الأيام الأخيرة، ومتفرّغاً لإعادة تنظيم حزب البعث، بحيث يبدو من الخارج وكأنّه يحضّر الأرضية لحوار مع المعارضة، فيما هو في الحقيقة يحرّك حجارة الشطرنج وفقاً لمقتضيات الاستعمال في اللعبة المقبلة.

ووسط صمتٍ عربيّ ودولي يثير الأسئلة، وانشغالٍ بالشأن المصري، تمضي سوريا في المسار المرسوم لها ولسائر دول المنطقة، ومنها لبنان. وليس سهلاً تحقيق المقولة التي أطلقها الأمين العام لـ”الحزب” السيّد حسن نصرالله، والقائلة: تعالوا نتقاتل في سوريا، ودعوا البيت اللبناني آمناً وبعيداً عن نار الفتنة.

فمن عرسال إلى طرابلس وعبرا… وصولاً إلى انفجار الضاحية أمس، الفتنة تنتعش. ويبدو سهلاً اتّخاذ الاحتياطات التي تمنع المارد من مغادرة القمقم. ولكن يصعب جدّاً إدخالُه إذا أُفلِت من عقاله.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل