وصدحت معه “الحتمية الليبرالية” لبضع ساعات، هي تلك الفاصلة بين ليلة القبض على الرئيس المنتخب، ورئيس الغفلة، الذي أراد أن يستأثر بالسلطة على رأس جهاز دولة لا يطاوعه فيه حاجب واحد، وما بين جمعة ظهور مرشد الجماعة محمد بديع في ميدان رابعة العدوية، مفتتحاً مرحلة جديدة من مسيرة.. “الإسلام السياسي”.
رهان هذه الحتمية “الشعبوية” و”الليبرالية” في آن، أنه وبعد أن أنجزت الثورة المصرية مراحل اسقاط المستبد المزمن والحزب الحاكم، ثم اسقاط سلطة العسكر، فقد أطاحت بحكم الإخوان، واختتمت المراحل الأساسية للانتقال نحو الديموقراطية والتنمية.
لكن عمر انتشاء هذه “الحتمية الليبرالية” كان قصيراً، بضع ساعات على الأكثر، دخل بعدها معتنقوها في دركات الهمّ والغمّ. سهلٌ أنْ تقطّع المراحل “التاريخية” التي تقطعها ثورة بالشكل الذي يحلو لك. الأصعب هو اسناد هذا التقطيع بما يبقيه بضعة أيّام على قيد الحياة.
فبعد أن اجتزنا المراحل الثلاث (اسقاط حسني مبارك والحزب الوطني، احباط المجلس العسكري، الاطاحة بحكم الاخوان)، ظهر أنّ الاستقطاب الرئيسي ما زال في مصر، كما في البلدان العربية الأخرى، بين “العسكر” و”الإسلاميين”، أو ان شئنا، “الإسلام العسكري” و”الإسلام السياسي”، وكأنك يا بوزيد ما غزيت!
ليس الغرض القول إنّ التاريخ يدور حول نفسه، فهذه الثنائية العسكرية – الاسلامية هي الأخرى لها هياكل وسياقات وأزمنة مختلفة. لكن الخروج من هذه الثنائية لا يكون بافتعال تقسيم مرحليّ صارم من حيث شعاره، وهشّ ليس فقط من حيث قدرته على تسويق نفسه جدياً، بل أيضاً من حيث افتقاده الى أي تراكم في المسودات الدستورية يعتد به لتبرير نظرية “المراحل – القفزات” الثلاث في الثورة المصرية، التي سيجيء بعدها الزمن الخلاصي الموعود.
فبعد تحقيق هذه “القفزات”، بالفعل، لا نزال في أسر الثنائية نفسها “اسلاميين وعسكر” التي أعقبت، في التاريخ ما بعد الاستعماري لمجتمعاتنا الاسلامية، ثنائية “أمراء الجند وعلماء الدين” في المرحلة السابقة على الاستعمار.
وما بين هذه الثنائية وتلك، بدت هذه المجتمعات في المرحلة الاستعمارية تأخذ مساراً آخر، حيث تطوّرت حركات وطنية تقتفي بعضاً من مثالات المستعمر سواء في حاضرته أو في إدارته الكولونيالية للبلد، وشيئاً من منطلقات الليبرالية والتنوير، انما للتحرّر من الاستعمار نفسه، وهذه حال “حزب الوفد المصري” بالتحديد في أيام سعد زغلول ومصطفى النحاس.
لكنّ ما حدث أنّ هذه الحركات كان عمرها من عمر الاستعمار نفسه، ولم يكتب لها وراثته في مرحلة الاستقلال الوطني كما فعل “حزب المؤتمر” في الهند، بل كُتب عليها الاندثار والتسليم، لسلطة العسكر، التي عوّمتها الأيديولوجيا الثورية العالمثالثية والقومية العربية، ثم لثنائية الاستقطاب بين العسكر والاسلاميين، وهو استقطاب قد يتضمّن شهور عسل عديدة، في أيام الضباط الأحرار، كما في أيام المشير طنطاوي، أو سنوات عسل، كالحالة السودانية قبل وقوع الطلاق بين عمر حسن البشير وحسن الترابي، أو ينشغل تاريخ هذا الاستقطاب بمتاهات البطش من جهة، والارهاب من جهة أخرى، كلّ يستولد علة وجوده من الوقوف حاجزاً منيعاً في وجه الآخر. هذا يتعثّر في محاولاته التحديثية القسرية، وذاك يتلعثم في تحديثيته اللاواعية التي تزيّن لنفسها أنّها عودة إلى الجذور، فيما هي ابتداع لتراث لم يوجد بالشكل الذي تتخيّله قط.
فإذا وضعنا لبنان الإسلامي المسيحي والصغير الرقعة جانباً، لرأينا تجربة الحبيب بورقيبة وحدها تحاول الافلات من هذه الثنائية، على سلطوية تجربة بورقيبية وطابعها الفرديّ، وهذا قبل أن تنضم تونس بدورها، مع زين العابدين بن علي وانقلابه، الى هذه الثنائية الاستقطابية بين أجهزة الأمن والاسلاميين، انما لتشكّل على ما سيظهر لاحقاً “الحلقة الأضعف” ضمن هذه المنظومة، حيث أن التقاليد البورقيبية أرست فيها بالفعل امكانية بلورة تيار مدني مواجه للاسلاميين، لا يكون طيعاً لسلطة العسكر، ولو أنه يسرف في أغلال كذا فكرة أيديولوجية قومية وشعبوية.
أما مصر، التي لا تزال هزيمة الخامس من حزيران 1967، بمثابة صدمتها المزمنة المتجددة يومياً، فان ثنائية الاستقطاب بين “عسكر واسلاميين” فيها لا تزال تجد المتنفس لتجديد نفسها بشكل خطير، رغم كل الديناميات السياسية والجماهيرية للثورة المصرية، التي تسير أساساً باتجاه تجاوز ذلك الاستقطاب.
وليس المراد من كلامنا أنه، لئن تهافتت الحتميتان الليبرالية والاسلاموية، فان ثنائية عسكر واسلاميين ستبقى حيّة ترزق وتتجدّد الى ما لا نهاية. انما التنبيه الى انّ تجاوزها ما زال في أمر اليوم ويتطلب صبراً طويلاً. ومن شروط الصبر أنّ المفاضلة بين “اسلام عسكري” و”اسلام سياسي” لا يمكن أن تُعمل الا كل يوم بيومه، وانّه اذا كان ينبغي عدم الخلط بين “الاسلام السياسي” والاسلام نفسه، كذلك ينبغي عدم الخلط بين “الاسلام العسكري” وبين “الاسلام الروحي”، وانّ التحدي الأساسي هو الانتقال من استقطاب ثنائي بين العسكر والاسلاميين، الى حيث يحدّ فيه العسكر من جموح الاخوان والاخوان من جموح العسكر، الى حيث يصير المجال متسعاً للتداول على السلطة سلمياً ودستورياً بين الاسلاميين وسواهم. من هم “سواهم”؟ هذا ما لن يتحدّد الا بصناعة هوية سياسية مستقلة عن العسكر والاسلاميين، علماً ان التمسك بأهداب الايديولوجيا القومية هو أقصر طريق للوقوع في يد العسكر، وكذلك للأسف، بعض الليبرالية الفاقدة لشروطها، والمتعصبة للتحديث القسري و”المستبد المستنير” في مواجهة أخيلة وأشباح “المستبد العادل”!.