حزب الله وتفجير الضاحية «قدراً مقدوراً»

كأنّ حزب الله وأجندته الإيرانية «قضاء وقدر» الضاحية الجنوبية وسكانها، سواءً أكانوا من «شعب المقاومة» أم من «الأغلبية الصامتة»، فأول ما يتبادر إلى ذهنك مع خبر انفجار سيارة مفخخة في الضاحية هو مدينة «حمص» ومشروع إسقاطها وتغيير ديموغرافيتها وطبيعة سكانها، وبصدق شديد نقول: «كلّ الاستنكار والشجب والتحقيقات وكلّ الحديث عن حال الذعر التي أصابت المواطنين الذين فاجأهم الانفجار»، كلّ هذه، لن تغيّر سطراً واحداً من الإصرار على الحرب التي زجّ حزب الله الطائفة الشيعيّة في أتونها، ولا يعني هذا الكلام أن الضاحية الجنوبية فقط هي المستهدفة بالتفجيرات، فلبنان كلّه بات في عين الإعصار السوري الذي نفّذ أمين عام حزب الله حسن نصرالله تكليفاً إلهياً من مرشد الجمهورية في إيران بزج لبنان في دوامته السوداء، ولن يُغيّر تفجير لبنان كلّه بأمّه وأبيه سطراً مما كتبه حزب الله على جبين الطائفة الشيعيّة، كأنّه: (وكان أمرُ حزب الله قدراً مقدوراً)!!

ككثير من اللبنانيين لم أصدّق أمس صباحاً أن «سيارة مفخخة» انفجرت في منطقة بئر العبد، ومع تواتر خبر دويّ الانفجار، ظننتُ أنه وبسبب حجم التوتر في البلد «شُبّه للبنانيين» بأن الدويّ العنيف هو انفجار، ولكن حجم الدخان الأسود أيقظ في جميع اللبنانيين مخاوف ذاكرة سوداء من زمن السيارات المفخخة التي كانت تحصد الأبرياء من المواطنين.

«قُضي الأمر»، فقد أطاح حزب الله باستقوائه في الداخل بمنظومة الدولة اللبنانية، وسبق وادّعى مراراً وتكراراً أمينه العام أنّ حزبه عصيّ على الاختراق، وسقط كلامه «المقدّس» على عتبة الاختراقات الإسرائيلية لبنية حزبه حتى العظم، وسبق وأوهم شعب الضاحية أنها «محروسة» بمنظومة أمنية جبارة تعرف دبيب النملة في أضيق «زواريبها» حتى أطاح انفجار الأمس بكلّ ادّعاءاته، فبدا المشهد مخيفاً إلى حدّ يظنّ معه الرائي أن الانفجار وقع في «عبّ» الحزب، بل انّ النيران اشتعلت في عباءة حسن نصرالله نفسه، وما الأصوات التي سارعت بالهتاف: «لبيك يا نصرالله»، ولا أول تصريح يصدر عن نائب الحزب علي عمّار، إلا استباقاً لأي صوت وتأكيداً أن الحزب ماضٍ فيما بدأ فيه ومستمر في حربه على الشعب السوري في أرضه، وهذا الكلام لا يقود إلا إلى نتيجة واحدة وهي: «الانفجارات ستتوالى وستطال كافّة المناطق اللبنانيّة»!!

بالأمس «تعنتر» ميشال عون وحرّض على الطائفة السُنيّة واتهمها بالتكفيرية، «الجنرال بيحكي من كيس غيرو»، ولا نعلم ما سيكون حاله إذا ما طالت السيارات المفخخة مناطق السُنّة والمسيحيين أيضاً»؟! هل سيقول لهم مجدداً كما قال عام 2006: «بالمال ولا بصحابو»!! سيارة بئر العبد المفخخة ستفتح أبواب الموت العشوائي على كل اللبنانيين، وهي تذهب أبعد بكثير من ذاكرة تفجيرات الاغتيالات التي ضربت لبنان منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، فهي تعيدنا بالذاكرة إلى ثمانينات الحرب الأهلية والموت المروّع بالجملة على قارعة الفراغ اللبناني، وإذا أراد البعض أن يكون عاقلاً فلينظر بتؤدة إلى توقيت تفخيخ سيارة الضاحية، لقد جاء التفجير في توقيت شديد التعقيد سواءً في سوريا أم لبنان وعلى حدّ سواء، معركة حمص على اشدّها بعد القصير، يتزامن مع هجوم خطير وحملات مشبوهة على الجيش اللبناني، مع محاولات دؤوبة وشريرة لطبع صورة حزب الله على وجه الجيش، وما المشهد الذي قدّم لنا بالأمس لصورة حسن نصرالله احتلت زجاج سيارة للجيش اللبناني إلا جزء من هذه الحملة والترويج لها كان خطأً كبيراً إذ يذكي الشحن مع فيديوهات عبرا ومعركتها، على إيقاع فراغ حكومي وشلل عام في البلاد، ووسط السواد الكثيف الذي لفّ صباح الضاحية بالأمس، ثمّة نقاط فاصلة لا تحتاج إلى تأكيد المؤكد…

الجيش اللبناني جيش كلّ اللبنانيين، والتحريض عليه تحريض على تدمير ذاتي للبنان ودولته.

حزب الله ماض في أجندته الإيرانية وعلى الدولة اللبنانية أن تحمي اللبنانيين من هذا الإصرار بالتوجّه إلى دول العالم وإعلامهم أن في لبنان فصيل مسلّح له سياسته وأجندته الخاصة وهو خارج عن سلطة الدولة وأقوى منها وقادر على شلّ الحياة في لبنان وعلى كل المستويات.

نطالب الاعتدال السُنّي أن يقف في مواجهة الذقون واللحى التي فتحت دكاكين تطرّف، وكشف الغطاء السياسي عنها والغطاء الشعبي الغرائزي الذي تؤججه الخطابات الفتنوية، لأنّ هذا الاعتدال سيكون أول ضحايا التطرف لحظة انفلات الفتنة من عقالها.

أما المؤكد الأخطر في كلّ هذه فهي أن الفتنة السُنيّة ـ الشيعيّة «تعسّ» نيرانها في انتظار الانفجار الكبير، وأن حزب الله وحده مسؤول عن هذه الحال المخيفة التي بلغها لبنان والتي لامست حدّ «تفخيخه» كلّه في انتظار اشتعال صاعق ساعة توقيت مؤامرة طهران لإحراق المنطقة برمتها!!

المصدر:
الشرق

خبر عاجل