طرابلس – صيدا – عرسال، والآن الضاحية الجنوبية من خلال ذلك التفجير العشوائي الإجرامي الذي ألحق بها وبأهلها، جملة من الإصابات المادية والمعنوية التى طاولت منطقة ذات حماية ذاتية وتطويق أمني، تبين أنه أمن قابل للإنكشاف وللإختراق متى توفرت للإجرام مناسبة لتنفيذ إجرامه. مواقع طاولها التفجير مؤخرا بأخبث الطرق، وحُفرت من حولها حفرٌ وأخاديد، وتم تفخيخها بكثير من دواعي الإنفجار والإنهيار، بما يشكل تهديدا جديا وخطيرا لسلامة البلاد، والسلم الأهلي.
وما أن تم التفجير الإجرامي، حتى تحولت الأبواق المكشوفة والمعروفة إلى إلحاقها بما اعتادت أن تسميه: التحريض الطائفي والمذهبي الذي يمارس على الساحة السنية، وهو في واقع الأمر تهمة مردودة لافتقارها إلى الصحة، ولكونها في مطلق الأحوال ، دفاعا عن النفس، بالكلمة والرأي والموقف في وجه ممارسات وتصرفات تعتمد السلاح في التعامل الداخلي، كما وتعتمد لغة الغزو والإحتراب في التعامل مع الخارج والجوار على نحو ما هو حاصل في سوريا، وقد أدخل ذلك كله وبصورة مفتعلة فى إطار ما سمي في هذه الأيام الملتهبة: الفتنة السنية – الشيعية. والغريب أن من يتهم بها هو الفريق المسالم والرافض للسلاح وللغة العنف بشتى صنوفها وأشكالها والذي يكتفي باتخاذ المواقف الاحتجاجية على غزوة سوريا القائمة والمستمرة.
قبل هذه المواقع جميعا…سبق أن كانت موقعة بيروت، ومنذ 7 أيار الشهير أخذت نصيبها هجوما عسكريا شاملا، ترك في نفوس البيروتيين ومن آخاهم، آثارا سلبية لم تفلح السنوات التي مرت في محوها، بل أنها كانت على ما يجمع عليه كثيرون، تلك الحفرة الأم التي انبثقت منها، كل ينابيع الفتنة المذهبية التي نبتت وترعرت وكبرت منذ ذلك الحين.
ونذكـر جيدا أن سماحة السيد قد مهد في حينه لذلك اليوم «الأغر»، بقول «جريء» مفاده:.. كنا نهتم قبل الآن، لأية تصرفات قد تؤدي إلى إشكالية سنية – شيعية، بعد الآن لن يهمنا ذلك. وبعد هذا القول مباشرة، إشتعل يوم 7 أيار، «المجيد» فانطلقت ميليشيات الأحياء الخلفية في بيروت تعمل في تأجيج النار المتوقدة تحت الرماد، وبالفعل… هذا ما حصل، يوم أعلن عن هذا المجد الإقتحامي المنطلق من مقولة سماحة السيد بأن الفتنة السنية الشيعية لم تعد لتدخل في حسابات الحزب، ومن كان لهم «شرف» اقتحـام بيروت، وأفلتت منذ ذلك الحين، حبات المسبحة الملتهبة من عقالها، وتدحرجت جملة من التصرفات والإنتهاكات التي أصيبت مع الوقت والتكرار بفيض من التوتر والتشرذم، وصولا في ذلـك إلى حد تجاوز كل الدولة وأهلهـا ومناصريها والمتكلين والمراهنين عليها، والقيام بغزوة جديدة وصلت هذه المرة إلى قلب سوريا، فأصبحنا اليوم مع الأسف الشديد، في خضم هذا الشرخ العمودي العميـق، الذي قسَّم الجسم الإسلامي والوطني إلى قسمين متناكفين متصادمين، وأحيانا متقاتلين، وكان آخر العقد والمعقود في هذه السلسلة المؤسفة، صيدا، وما حل بها وبأهلها وبيوتها وبمراكز رزقها وحياتها، وكان آخر العنقود الجرمي والدموي، ذلك التفجير الخطير والمدان الذي حصل في الضاحية، متمنطقا بسلاح الغدر، ومتسللا بين جموع المواطنين الأبرياء.
لقد كان السنة في لبنان وما زالوا، مع كل أولئك الذين أطلقوا الصوت والموقف عالـيا بأنهـم مع الدولة ومـع يدها الطائلة والقادرة، مع الجيش والقوى الشرعية، وبأنهم راهنوا وما يزالون على ألاّ يقتنوا السلاح وألاّ يرفعوه بوجه أحد من أبناء وطنهـم، فهم ينتمون إلى أمة لطالما سلّمت أمرها إلى الدولة وإلى سلطاتها ومؤسساتها، وما هو حاصل في هذه الأيام من خلال وجود بعض القوى التي تجنح الى العنف والإرهاب، وهو نتيجة مؤسفة ومستنكرة تأتت عن ممارسات الضغط والإستقواء والقيام بعمليات تطاول العمق الشعبي على نحو ما حصل في صيدا وقبله في أماكن أخرى من لبنان، وأذكى عديدا من المشاعر والمواقف وردات الفعل التي نأمل بإطفاء لهيبها ومنع انتقالها الى أماكن ومدن وقرى سواها.
وهـا هـو العمـق الوطنـي يتجمهر ويتقارب ويتناسق في حكمه على ما هو حاصـل علـى الساحـة اللبنانيـة، والمتمدد بحكم الأمر الواقع، إلى سوريا الشقيقة، متذرعا بشتى الأعذار المتضاربة في مغازيها واستهدافاتها، وفي طليعتها الأعـذار المذهبيـة التي لم ترق لأحد، ولم تقنع أحدا . وها هـو الحكم عليها يبدأ من بيان المطارنة الموارنة، ومن الخطب المتتالية التي أطلقها نيافة الكاردينال الراعي، محذرا من فرائض السلاح، وأكلافه على الوطن ومن تجاوز الحدود، وتنكر للروادع والموانع الوطنية، وها هو اللقاء الوطني الواسع لأركان 14 آذار الذي سبق أن انعقد في صيدا، يحذر من ازدياد سيطرة السلاح وطغيان التجاوزات المسلحة والممارسات الشاذة.
علماً بأن ما نقبله بكل اقتناع، تمثل في ما ذكرناه حول الجيش، ذراع الشرعية الطائلة والقادرة، والمؤسسة التي نتشبث بها حيث لا خيار لنا غيرها، وهذا رهان مستمر، إلا أنه مع الأسف تنتابه بين حين وآخر، بعض الإهتزازات التي تتجاوز قيادة الجيش ومجمـل تركيبتـه القيادية والبشرية لتكون هنالك جملة من المآخذ التي رفعها كبار المسؤوليـن السنـة إلى قائـد الجيش، فضلا عن سبق رفعهـا إلـى فخامة رئـيس الجمهورية، الذي يتصرف بوعي وتجرد كأب صالح للبنانيين جميعا، يعاملهم ما أمكنه وما مكنته الظروف الصعبة التي تطوقه وتطوق البلاد معه، بروح القائد المسؤول عن وطن وعن دولة وعن دستور، وربما كان موقف قائد الجيش مماثلا في هذا الصدد، إلا أن ما يطرأ في كل حدث، وما نجده مـن تصرفات لبعض الضباط وبعض الجنود، تعمد إلى الإخلال في مقاييس التوازن، وتكشف تصرفاتها عن انتماءات تتجاوز المؤسسة العسكرية لتكون في تفاهم وتعاون إن لم نقل وتواطؤ مع غيرها من «المؤسسات» الخاصة، التي تختلق لنفسها دويلة تسعى لان تكون بديلة للدولة وقيمة وحيدة فريدة، على شؤون البلاد والعباد. وإذا كان هناك من يزعجه إلقاء الضوء على هذه التصرفات المؤسفة، فلا نعتقد انه لو كان في الوضع نفسه، سيعمد الى السكوت والصمت والإسهام في تخريب الوضع الأمني بدلا من إصلاحه وترميمه.
إن وضعية الشيخ أحمد الأسير هي ظاهرة ذات دوافع وجذور لم تحسن الدولة والقوى الأمنية معالجتها، وقد استكملت وجودها وتطورها من خلال أحداث سلفت، وشقق احتلت واستعملت كمخازن للأسلحة وثكنات للمقاتلين جاهـزة للإنطلاق، في أي وقت وأية مناسبة، على نحو ما حصل في عبرا، في الأيام الأخيرة، وعلى نحو ما هو قائم فعلا في طرابلس وبيروت وسواها من الأماكن التي تحفل أحياؤها الآمنة، بمثل هذه الشقق – الثكنات، الأمر الذي يتشكل منه قنابل موقوته، لا يعلم إلا الله، وأهل التفخيخ والتآمر، متى تنفجر ومتى تحدث آثارها القاتلة.
وبعد الحدث الجلل الذي تمثل في تفجير الضاحية الجنوبية، فإن الخشية تزداد من أن يكون أول السلسة المتوقعة، التي قد تنتقل وتتنقل على مدى الساحة اللبنانية، وعلى مدى الحساسيات المذهبية والطائفية التي تواكبهــا وتعشعش في دخائلها، ونستغرب كل الإستغراب كيف أن وطناً هذا هو حجم التحديات الهائلة التي تواجهه ما زالت تصرف أحواله وأعماله، حكومة منتهية ومهشمة، وهو يسعى دون نتيجة حتى الآن لتأليف حكومة يراد لها الا تبصر النور ولا أن تكون عاملا إيجابيا يسهم في تقويم أوضاع البلاد وتصويب توجهاتها.
وبعد: ماذا ننتظر، علماً بأن الآتي… أعظم.