تجنّب الانزلاق إلى الفتنة لم يعد مضموناً
ومروحة احتمالات وراء انفجار بئر العبد
من المفارقات اللافتة على اثر الانفجار الذي وقع في بئر العبد صعوبة حصر الاتهام، وعلى نحو نادر، وعلى غير ما جرت العادة في السابق، باسرائيل في الدرجة الاولى والولايات المتحدة تاليا ولو صاغ البعض اتهامات عالية النبرة تصب في هذا السياق. اذ ان اسرائيل تستفيد من وجوه عدة لهذا الانفجار خصوصا انه يظهر المربع الامني لـ”حزب الله” مكشوفا وغير عصي على الخرق من جهة والانعكاسات او الاثمان التي تترتب على الحزب ولبنان نتيجة سياسته السورية، كما يمكن ان يتسبب باشعال فتنة داخلية في لبنان بما يصب في مصلحتها مع انضمام لبنان الى الدول المجاورة له في الحرب الاهلية واضعاف كل الافرقاء. والتصريحات التي صاغها كثر كرد فعل صبت في هذا الاطار وتهدد بخطاب حاد يزيد الشرخ الداخلي ويشكل تحريضا واضحا ضد الآخرين، خصوصا انه تم تغليب التصويب من جانب الحزب وحلفائه على ” التكفيريين” ولو وضعوا في المستوى نفسه لاسرائيل ومخابراتها ايضا. الا ان هذا الامر يُظهر، اذا اخذ الانفجار في حد ذاته والجهة التي يستهدفها، انه بات للحزب اعداء كثر ولم تعد اسرائيل او اميركا يتربعان وحدهما على رأس لائحة هؤلاء.
لكن مصادر معنية ترى في هذا الانفجار مروحة واسعة من الاحتمالات، وهو يندرج ضمن سلسلة من الصراعات التي يشهدها لبنان، احدها واخطرها قد يكون الصراع السني الشيعي الممتد على طول خارطة المنطقة العربية تقريبا والذي يشهد ترجمة له في الصراع العلوي السني في سوريا ايضا. وهناك الصراع السوري الذي يؤثر اصلا على لبنان بتداعيات كبيرة لا تقتصر على الوضع الامني بل يطاول الوضعين السياسي والاقتصادي، خصوصا مع تجاوز عدد اللاجئين السوريين والفلسطينيين مليون ومئتي الف لاجىء بما يشكلونه من عبء قاس جدا على لبنان. وقد اضيف الى هذا الصراع تدخل ” حزب الله” عسكريا الى جانب النظام، الامر الذي حذر الجميع من تداعياته في الداخل والخارج. ويضاف الى هذه الاوجه الثلاثة من الصراعات القائمة ايضا الصراع الايراني الاميركي والصراع الايراني السعودي اضافة الى الصراعات السياسية الداخلية حول السلطة والامساك بها.
الا ان اكثر ما يثير خشية عواصم اساسية تهتم عادة بلبنان هو استدراج الازمة السورية اليه او تصديرها اليه ايضا، وفق ما عبر الجميع مرارا خلال العامين الماضيين وقد تمسكوا بسياسة “النأي بالنفس” سبيلا لذلك. الا ان هذه العواصم باتت ترى ان تدخل ” حزب الله” قد فاقم بقوة عوامل هذا الاستدراج بحيث زادت نسبة المخاطر التي كانت موجودة اصلا منذ عسكرة النظام السوري الازمة في بلاده بدليل انعكاس ذلك في خلافات تؤدي الى افراغ المؤسسات الدستورية والامنية وتعطيلها فضلا عن تسعير الخلافات السنية الشيعية التي شهدت وجها تصعيديا في ما جرى في صيدا قبل اسبوعين على رغم تولي الجيش المواجهة والتي قال احد السياسيين في شأنها انها مواجهة قام بها الجيش تأجيلا لمواجهة اخرى تبدو محتومة، مما يعني ان السؤال ينحصر متى تحصل المواجهة المؤجلة وليس هل تحصل ام لا تحصل. ويخشى هؤلاء في ضوء ذلك استنزافا للجيش من جهة وانزلاقا متدرجا للبنان نحو مزيد من العنف والتفكك من جهة اخرى بحيث لم يعد الاقتناع الرائج بأن من مصلحة الافرقاء السياسيين الاساسيين بقاء الاستقرار وعدم الانجرار الى الفتنة على ما يخرج الديبلوماسيون من لقاءات غالبية الافرقاء عاملا مطمئنا. فهذا الاقتناع تتهدده تحديات ميدانية يصعب تخطيها بعدة الشغل نفسها كما ابان حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، خصوصا ان الخطاب السياسي بات يقارب راهنا حدودا تحريضية خطيرة تشكل خطرا على مستويات عدة. كما ان لبنان لم يعد هو نفسه كما كان قبل عامين من عمر الازمة السورية او لدى بدايتها.
وما بات يتوقف عنده كثر من المهتمين ايضا هو الوضع الاقتصادي في لبنان والتداعيات الخطيرة للازمة السورية على الاقتصاد اللبناني على رغم ان ما يساعده بعض الشيء هو استئثار الوضعين الامني والسياسي بكل الاهتمام وعدم تسليط الاضواء عليه، في حين ان خسارة كبيرة خطيرة باتت تترتب على لبنان اقتصاديا فيطلق المسؤولون انذارات تتناول ضرورة الاهتمام بالثروة النفطية في حين ان تحريك هذا الملف يتطلب استقرارا في الدرجة الاولى تحتاج اليه الشركات والمؤسسات الخارجية من جهة، وهو امر يفتقده لبنان بقوة راهنا وليس مرجحا ان يستطيع ان يقدم اي ضمانات تتصل بالوضع الامني وكذلك الامر بالنسبة الى وجود سلطة سياسية فاعلة ومتضامنة عبر حكومة قوية ليس واضحا اذا كان لها فرصة حقيقية في المدى المنظور. ويخشى المعنيون ان يكون الرهان على الثروة النفطية لانقاذ الوضع الاقتصادي في غير محله نظرا الى ان التوقعات الموضوعية لمصادر عليمة تفيد ان لبنان يستطيع الافادة من هذه الثروة خلال ما لا يقل عن 7 سنوات في حال توافر شرطي الاستقرار والسلطة المسؤولة.