يجمع العارفون بكثير من الحقائق في العلاقات بين أطراف النزاع في لبنان على أنّ من المبكر الحديث عن طلاق بين “التيار الوطني الحر” وحليفيه حركة “أمل” وحزب الله من بوّابة الخلافات التي تتنامى يوماً بعد يوم بين الجانبين، خصوصاً بعدما أعلن رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي أنّه لن يخوض المفاوضات في الملفّ الحكومي بعد اليوم على خلفية تمثيله لقوى 8 آذار، وإنّما بإسم “الثنائي الشيعي” متخلّياً عن ثلاثية “التيار والحركة والحزب” في المواجهة، بعدما استأثرت هذه الثلاثية بتأليف الحكومات الثلاث الأخيرة التي تعاقبت على لبنان منذ انتخابات العام 2009، والتي شكّلها تباعاً الرؤساء فؤاد السنيورة وسعد الحريري ونجيب ميقاتي.
ولا يتجاهل العارفون أنّ ما يعزّز الإعتقاد ببدء بناء مسافات في العلاقات بين عون وبرّي صمتُ حزب الله عن هذه التطوّرات، وهو صمت بات موضوع مراقبة لمعرفة المسافة التي يمكن أن يتّخذها الحزب من هذه المعادلة الجديدة التي تنبئ بانعكاسات سلبية على مساحة العلاقات القائمة بين “التيار الوطني الحر” وحلفاء الأطراف الثلاثة المنضوين تحت لواء 8 آذار على تعدّدها، ما يضيف عنصراً سلبيّاً على ما يحكى من خلافات بين “التيار” و”المردة” على رغم مواقف النفي التي يصرّ عليها الطرفان.
وعليه، تعتقد المصادر أنّ الدعوة الى الإسراع في تشكيل الحكومة بات أمراً منطقيّاً بعدما نادى به برّي، باعتباره مدخلاً الى تقصير المهلة الفاصلة عن عقد المجلس النيابي جلسته التشريعية التي تسمح بالبتّ بعدد من مشاريع واقتراحات القوانين ما لم تتوافر فرصة نادرة لتسهيل انعقاد هذه الجلسة إذا اتّفق على جدول اعمال مختصر يصار الى البتّ به عبر مرسوم يفتح دورة إستثنائية لمجلس النواب، ولكنّ هذا الأمر مستبعَد وسط إصرار برّي على التزام المادة 69 من الدستور التي تعتبر المجلس في دورة إستثنائية في ظلّ استقالة الحكومة وإلى حين تأليف الحكومة الجديدة ونيلها الثقة، وبالتالي لا يحتاج انعقاد المجلس الى أيّ مرسوم.
وإلى هذه النتيجة الحتمية لتأليف الحكومة يمكن الإشارة الى أنّ الفصل النهائي بين ثلاثي “التيار” و”أمل” و”حزب الله” في خوض المفاوضات من أجل حكومة جديدة سيشكّل بوّابة واسعة لسقوط شرط الثلث المعطّل فيها، بعدما تحوّل في الفترة الأخيرة أحد الشروط المستعصية التي حالت دون الاتّفاق على تشكيلة وزارية متجانسة وخالية ممّا قد يفجّرها من الداخل في أيّ وقت، بشروط الرئيس المكلّف الذي أصرّ منذ تكليفه ولا يزال على تشكيلة الـ”ثلاث ثمانات” بعدما تحوّل عقب فقدان أهمّيته موضوعاً نافلاً لا قيمة له باعتراف كلّ الأطراف في قوى 8 و14 آذار على حدّ سواء.
ويتوسّع المراقبون إزاء ما سيلي هذا الانفصال بين أطراف 8 آذار بسيناريوهات متعدّدة الوجوه، فيرون أنّ هناك أسباباً وجيهة أسقطت الحاجة الى الحلف بين “التيار” و”الثنائي الشيعي”، خصوصاً في حسابات حزب الله الذي رأى في “تفاهم مار مخايل” تحصيناً لموقفه من كلّ الملفات على خلفية ما وفّره من غطاء مسيحيّ له في المواجهات الداخلية قبل أن يخوض الإقليمية منها.
وانطلاقاً من هذه القراءة هناك من يعتقد أنّ الحزب، وبعدما حصد ما حصده من اعتراف إقليمي ودولي عقب مشاركته في الحرب السورية الى جانب النظام السوري حاسماً معركة القصير في مواجهة الثوّار السوريين، لم يعد في حاجة الى ما كان يريده من غطاء لبنانيّ، أو مسيحيّ تحديداً، بعدما تحوّل رداءً ضعيفاً لا يقيه ما يمكن أن يتعرّض له من حصار عربيّ ودولي قياساً على حجم الحرب التي تخاض في سوريا وانعكاساتها على المنطقة كلّها.
وبناءً على ما تقدّم، هناك من يعتقد جازماً أنّ ما هو متوقّع من تداعيات الأحلاف الداخلية، قد يقود إلى معادلات داخلية جديدة لا يمكن التكهّن بها الآن، في انتظار الإستحقاقات المقبلة، واستناداً إلى موازين قوى جديدة ما زال الجميع في انتظارها من دون تحديد أيّ موعد لاكتمال ولادتها، وإلى ذلك الحين تبقى كلّ الخيارات مفتوحة على شتّى الاحتمالات الإيجابية منها والسلبية.