التفجيرات الارهابية العمياء التي تستهدف الابرياء، مثل تفجير بئر العبد في الضاحية الجنوبية هي تفجيرات تفتش عن المسالمين الآمنين الساعين الى رزقهم لتجعل من قتلهم رسالة مجبولة بالدم والارواح الى الجهة المعنية بالامر، والمناطق التي كانت تسمى شرقية، عانت اثناء الحرب، وعند اغتيال الرئيس رفيق الحريري وبعد اغتياله العديد من هذه التفجيرات التي خطفت انفاس مئات الابرياء، وجرحت واعاقت الالوف، وهذه الاعمال البربرية هي الطعام الذي تتغذى منه الفتنة وتكبر وتنتشر، وهي الخطر الكبير المقبل، الممهد لنشوب حرب مذهبية، لن تقتصر على مناطق محددة، بل ستطول كل لبنان. ولن ينجو منها احد.
المخيف في هذه المتفجرة، انها استطاعت ان تخرق امن منطقة، داخل ما يسمى بالمربع الامني. الذي يضم المقاومة وجمهورها ما يجعل من المناطق الاخرى المفتوحة، صيداً سهلاً للارهاب، وللذين يعملون على ايقاظ الفتنة، من دون وعي احيانا، وبوعي كامل في معظم الاحيان، ولا يجوز في هذا المجال تبرئة اي فريق من شر عمله، عندما فتح ابواب الفتنة والانقسام على لبنان «بدخوله طرفا في النزاع السوري، مع النظام او ضده» وفي هذا المجال لا بد من الاعتراف ببعد نظر رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، ورئيس الحكومة المستقيل نجيب ميقاتي، عندما طالبا الجميع النأي بالنفس عما يدور في سوريا، وثبتا هذا الطلب في اعلان بعبدا الذي وقع عليه جميع المتحاورين.
منذ اغتيال الرئيس الحريري في العام 2005 لم يبرد الغليان السياسي والمذهبي في لبنان، وكان جميع الاطراف يدركون عواقب هذا الغليان، ولكن المعالجات، مع الاسف، حتى ولو وجدت، لم تكن بحجم كرة النار المتدحرجة، والشهادة للتاريخ ايضاً، ان قوى 14 آذار عندما كانت تتنازل امام خصومها، درءا للاسوأ، كانت تخسر عند جماهيرها، ولا تلقى من خصومها سوى الشماتة والرفض والتجريح، وجميعنا يذكر انه مع كل تنازل من 14 آذار، كانت ماكينة اعلام 8 آذار تنعي 14 آذار وتحدد وقت الدفن.
***
هذه الحالة غير العاقلة لدى 8 آذار سرعان ما خلقت تيارات متطرفة، ليس عند السنّة وحسب، بل عند المسيحيين والدروز ايضا، انطلاقاً من شعورهم انهم مستهدفون ومهمشون، والشعور بالاستهداف والتهميش، يفتح الباب امام الغضب، ما يزيد حالة الغليان غلياناً، فتنفجر الاحداث الدموية في طرابلس وصيدا وعبرا وبيروت وبعض الشمال والبقاع، ويدخل على الخط من له مصلحة في تفجير لبنان او تقسيمه او حتى ابتلاعه، مستغلاً ضعف الدولة، وعدم وجود مناعة كافية لمنعه او ردعه، فيعود الوطن ليتحوّل الى ساحة نزاع تتصارع عليها القوى الخارجية والداخلية، ويدفع المواطنون الابرياء ثمن هذا الصراع كما حدث في طرابلس وعرسال والهرمل وصيدا وعبرا، والامس في الضاحية.
لا دين، ولا مذهب، ولا حزب، ولا شخص، يستأهل موت بريء واحد، وحده الوطن يستأهل الشهادة في سبيل عزته وكرامته وسيادته، واستقلاله وحريته، والشعب اللبناني شبع موتاً مجانياً كان بالامكان تفاديه بشرط توفّر النية الطيبة، والوطنية الصادقة.
ان متفجرة بئر العبد، يمكن ان تكون شراً مطلقاً، ان هي افرزت ردود فعل غرائزية، وقد تكون مفصلاً مهماً في تاريخ لبنان، ونقطة تحوّل ايجابي، اذا عولجت بنظرة الحريص على مصلحة لبنان والدولة والعيش المشترك، والمهم في الامر عدم الخسارة مرتين، الاولى عند التفجير وما نتج عنه من ضحايا واضرار، والثانية بعدم اقفال الباب والنوافذ في وجه الفتنة الزاحفة.
التاريخ لن يرحم قادراً على الانقاذ، ولم يفعل.