وتتالت المسرحية فصولا، منذ اندلاع الردود بين تكتل “التغيير والإصلاح” ورئيس المجلس النيابي نبيه بري، مرورا بإطلاق “التيار” حملة احتجاج على القرارات التي يتفرّد “حزب الله” باتّخاذها في ما خصّ التمديد للمجلس النيابي وللقيادات العسكرية، وصولا الى ما يريح تكتل “التغيير والإصلاح”..
فقد تبيّن أن ما يريح هذا التيار، على عكس التوقّعات، هو ان “كلام الرئيس نبيه بري حول انتهاء تحالف قوى 8 آذار على صعيد الملفات الداخلية هو كلام موضوعي”، بحسب ما قاله عضو التكتل النائب نبيل نقولا، معتبرا “ان تصريح بري يريح التكتل الذي يطالب بأن يتمثل في الحكومة وفق حجمه في البرلمان”. ومعروف أن التكتل هو الأكبر في المجلس النيابي بعدما حصد أصوات حلفائه في المناطق المختلطة وبقي مؤازرا لهم في القضايا الداخلية والخارجية، حتى إن الاعتراض على أمر خارجي مثلا كان يقابله تدوير الزوايا في اليوم التالي.. فهل يمكن بالتالي لمن أتى الى المجلس بأصوات “حزب الله” والى الحكومة بفضل الحزب أن يفكّ ارتباطه به؟
ولا شكّ قبل ذلك في أن “حزب الله”، الذي تربطه وثيقة تفاهم بـ “التيار الوطني الحرّ” قدّم له كل تلك المغريات النيابية والوزارية لسلخه عن ثورة الأرز، في حين أن تلك الوثيقة لم تكن ذات قيمة بالنسبة الى “التيار”، إلا في ما خصّ المصالح الإنتخابية والوزارية مقابل تغطية سلاح الحزب غير الشرعي.
ومن خلال تصريحه، أراد نقولا أن يبدو الوضع وكأن بري هو المنقذ للكتل والذي يبحث عن راحته، أو كأن التحالف بين “التيار” وأعضاء فريقه كان عبئا على التيار، فارتاح وفُكّ أسره! لكن الواقع بأن اللعبة السياسية التي لم يتقنها التيار بعد منذ أكثر من ربع قرن، باتت مكشوفة، حيث تضع قوى 8 آذار كامل ثقلها على التشكيلة الحكومية التي يريدونها “مشكّلة” من معطّلين!
لا يهمّ أن يكون وزراء الحكومة “عاطلين” من العمل الوزاري ومنكبّين على الخدمة العامة، لأن الأهم أن يتمكن كل حزب داخل قوى 8 آذار من ان يفتعل خلافا صوريا مع الحزب الآخر، ليعلن نفسه حزبا واحدا قائما بذاته ليحقّ له المطالبة بعد ذلك بأن يكون ممثلا بحسب حجمه في المجلس النيابي.. أما بعد التئام المجلس الجديد، يكون على كل الأحزاب المتفرّقة ظاهريا فقط، أن تعود لترتبط مسيريا ومصيريا ببعضها وأن تتّخذ لنفسها لغة التهديد بالتعطيل لأنها عادت الى “عادتها القديمة”..
وقد سبق هذه التصريحات، كلام لنقولا أيضا يوم الإثنين الماضي، أكد فيه أن “لا مشكلة بين “التيار الوطني الحر” وحلفائه في ما خص تأليف الحكومة الجديدة، موضحا أنهم على اتفاق تام”. فما هي أسباب الخلاف أو الإختلاف المفاجئ والذي طرأ على علاقة طرفي وثيقة التفاهم خلال يومين؟ كل هذه الأمور تدعو الى طرح العديد من الأسئلة حول سيناريو الفريق المنتمي الى المحور الإيراني – السوري..
ويضيف نقولا في حديث تلفزيوني “لا نأبه لعملية الربح والخسارة في كل المشاريع، إذ ان الرابح يجب ان يكون لبنان والشعب اللبناني”، ولكن المعضلة في أن يربح الشعب، تكمن هنا في أن رئيس تكتل “التغيير والإصلاح” النائب ميشال عون قد جرّد الشعب من عظمته.. فكيف لهذا الشعب أن يربح؟ ويضيف نقولا “لنا أولوياتنا ولـ “حزب الله” أولوياته”، لافتاً إلى ان “علاقتنا مع حزب الله لا تتضمن خلافات إنما تباين في الآراء”. وهذا سبب إضافي لكون فكّ الإرتباط بين أحزاب قوى 8 آذار صورياً، كون الخلافات ممكن أن تكون أبدية أما التباين في الرأي فهو ظرفي أو آني.. فعندما تمرّ مرحلة التباين وتزول أسبابه، أي بعد تشكيل الحكومة التي من المفترض أن يتمثل بها “التيار” بحجمه، تعود المياه الى مجاريها، والثلث المعطّل الى ألاعيبه!
لكن في الواقع، ان مثل هذه الألاعيب القديمة – الجديدة، ما عادت تنطلي على الشعب اللبناني لأن لغالبية الشعب عظمة بالفطرة، تلك التي لا يمكن للجنرال أن يهبَها لشعبه ثم يجرّده منها.. وعلى الرغم من الخلاف أو الإختلاف أو التباين في الرأي بين “التيار” وحليفه، فإن الواجب يبقي الأول في إطار الدفاع عن الثاني، حيث يقول نقولا “عم يجوا من كل بلدان العالم يقاتلوا بسوريا، ما بعرف ليه غصّت معن بحزب الله”، مضيفا “طالما الوضع في سوريا متوتر طالما ان الوضع في لبنان كذلك”. فإن ما يجمع “حزب الله” و”التيار” هو حاجة “التيار” للحزب، وما يفرّقهما هو حاجة الحزب للتعطيل..
