صحيح أن لعبة السيارات المفخخة التي هي مهنة احترافية لدى البعض، عادت الى المسرح اللبناني في العام 2005 مع زلزال الرابع عشر من شباط الذي أودى بحياة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وقبله مع محاولة اغتيال النائب مروان حمادة في الأول من تشرين الأول 2004 مروراً بالتفجيرات التي طالت قافلة الشهداء وصولاً الى اغتيال اللواء الشهيد وسام الحسن في تشرين الأول من العام الماضي، وصحيح أيضاً أن كلفة هذه اللعبة كانت باهظة جداً، باغتيال خيرة القادة السياسيين والشخصيات الوطنية بدم بارد، وحصد عشرات الأبرياء في هذا المسلسل الجهنمي، لكن مثل تلك العمليات على فداحتها كانت تختار شخصيات محددة وتنتقي الأهداف بدقة، أما مشهد بئر العبد الدموي، فلا تقاس خطورته بعدد الضحايا إذ لم يسقط ضحايا والحمد لله، ولا بعدد المصابين وما خلّفه من دمار في الأبنية والممتلكات، إنما تكمن في دلالاته الأمنية المخيفة ومؤشراتها على ما يحضّر للبنان واللبنانيين في قادم الأيام ما لم يجر تداركه قبل فوات الأوان.
المخيف في هذا التفجير الإرهابي، أنه لم يكن له هدف محدد أقله حتى الآن، والمخيف أكثر أن تكون هذه الرسالة المرعبة، دليلاً على أن أمن المواطنين اللبنانيين في أي منطقة أو لأي طائفة انتموا بات في مهب الريح، ورهن أهواء الإرهاب سواء كان مصدره إسرائيلياً أم تطرفاً أو غيرهما، والمرعب أيضاً وأيضاً أن الأمن اللبناني بات مكشوفاً على كل الصعد، إذ لم تعد هناك منطقة “فوق رأسها خيمة” أو محصنة أمنياً أو بمنأى عن دوامة عنف جديدة، وما يضاعف من حالة القلق لا بل الخوف الحقيقي أن يكون ما حصل نموذجاً عن استيلاد الحالة العراقية في لبنان، بمعنى أن العمل الإرهابي الذي ضرب الضاحية أياً كان من يقف خلفه، وأياً تكن مسوغات من ارتكبه، فإنه يطال بالدرجة الأولى أبرياء لا ناقة لهم ولا جمل في كل ما يرتكبه “حزب الله” في سوريا أو غيرها، لو سلمنا أنه جاء رداً على حرب “حزب الله” في سوريا، وإذا كان الحزب اختار معركته على أرض الآخرين، فإن ذلك لا يبرر للآخرين نقل المعركة الى لبنان أو الى داخل جمهور “حزب الله” أياً كانت المسوغات.
هذا التطور الأمني الخطير يستدعي مراجعة سريعة من “حزب الله”، وفهماً حقيقياً لعمق الأزمة التي وقع وأوقع جمهوره وكل لبنان فيها، وأن يدرك أن انغماسه في الحرب السورية حتى إذنيه، وإغراق الدولة في أزمات داخلية يفتعلها في لبنان وينقلها من منطقة الى أخرى، ستكون نتائجها كارثية على كل اللبنانيين بمن فيهم بيئته الشعبية الحاضنة، التي لا تزال تعتقد أنها تدافع عن المقاومة، وأن يتوقف عن إغراق الجيش والأجهزة الأمنية في جبهات يختلقها هنا وهناك، وشغلهم عما يخطط للبلد وما يريح أعداء لبنان الى حدّ كبير، سواء كان العدو الإسرائيلي أو الخلايا الإرهابية الفاعلة منها والنائمة، التي تتوق الى هذا النوع من المنازلة، وهو ما يجعل لبنان مكشوفاً أكثر من اي وقت مضى، لا بل تجعل قبضة “حزب الله” الحديدية وعيونه المفتحة في كل شارع وزاروب وحتى في كل زاروب من مناطق نفوذه، خصوصاً في الضاحية الجنوبية، كأنها فقدت فاعليتها، للأسباب المذكورة أعلاه، عدا عن إنشغال الحزب وأجهزته الأمنية والعسكرية في حروب “الواجب الجهادي” وعملياته الخارجية، وفي صراعات داخلية متنقلة ما يجعله فاقداً القدرة على حماية بيئته شيئاً فشيئاً، فكيف الحال يكون قادراً على حماية لبنان وفق الصفة التي يطلقها على نفسه لتبرير أزلية سلاحه؟
الدرس الذي يمكن إستخلاصه من رسالة بئر العبد، أن الحرب أو ربما الحروب الاستباقية التي يدعي “حزب الله” خوضها في القصير وحمص ودمشق وحلب، ولا أحد يعرف الى أي دولة أخرى قد تنتقل غداً، لمنع وصول الحالة التكفيرية الى لبنان، يبدو أنها سرّعت من وصول الإرهاب الى الداخل، وشرّعت أبواب البلد أمام رياحه العاتية. وإذا كان “حزب الله” قادراً كتنظيم عسكري على استيعاب أو تلقف مثل هذه الرسائل وتحمّل عبئها أو عبء الأكثر منها دموية، فكيف يمكنه أن يبدد قلق ناسه وجمهوره ومؤيديه؟ وبأي منطق أو قرار أو تصرّف يلغي هواجس أبناء الضاحية التي هي هواجس أبناء بيروت والجنوب والبقاع والشمال وكل بقعة لبنانية، التي ولّدتها مغامراته غير المحسوبة؟ والأهم من ذلك، إذا استمر “حزب الله” في المكابرة، أين سيكون ردّه العقابي أو الإنتقامي ومن هم ضحاياه الجدد؟ أسئلة تحتاج الأجوبة عنها الى كثير من التعقّل والى مراجعة وقراءة موضوعية، لا الى مزيد من المجازفة في مصير البلاد والعباد.