تمديد ولاية مجلس النواب سنة وخمسة اشهر، لن يعكس نتائج ايجابية على الاوضاع الداخلية، خصوصا الامنية الاقتصادية منها، في غياب حكومة تأخذ القرارات اللازمة والواجبة، وتنفذها على الارض، بل ان العكس هو الصحيح، بحيث ان عدم وجود حكومة من شأنه ان يشكل تضاربا في الصلاحيات بين الرئاستين الثانية والثالثة، وما حصل من تجاذب وتوتر بين رئيس الحكومة المستقيل نجيب ميقاتي ورئيس مجلس النواب الممددة ولايته نبيه بري، حول دعوة المجلس النيابي الى دورة استثنائية لدرس عدد من مشاريع القوانين، من دون موافقة ميقاتي، خير برهان على خطورة ابقاء البلاد من دون حكومة كاملة الصلاحيات، ما يفتح باب الاجتهادات الدستورية على مصراعيه، وهناك الطامة الكبرى، لأن التجارب اثبتت ان الدستور في لبنان اصبح وجهة نظر بالنسبة الى البعض، ولم يعد هو الفيصل الذي يحسم بين الخطأ والصواب، وقد يكون البعض الذي يعرقل تشكيل الحكومة، يتقصد ترك الامور تسير على غاربها، مستفيدا من الفراغ القائم، للتصرّف بحرية ومن دون ضوابط دستورية او قانونية.
قياسا على شبه الاجماع النيابي الذي ايّد تكليف النائب تمّام سلام تشكيل حكومة جديدة، وما صدر على لسان الرئيس المكلّف من تعهّد بعدم اطالة عمر ازمة التأليف، اعتقد اللبنانيون، ان الحبل بالحكومة لن يطول، ظنّاً منهم، ان الجميع متخوّف من تدهور الاوضاع الامنية والاقتصادية في الداخل، ومن تصاعد القتال في سوريا وانغماس بعض الافرقاء فيه، ولكن بعد مرور اربعة اشهر ويزيد على تكليف سلام، لم يتصاعد الدخان الابيض من قصر بعبدا، معلناً ولادة الحكومة الجديدة، لأن المعطّلين لا تهمّهم المصلحة الوطنية التي يريدها سلام عنواناً وشعاراً لحكومته، بل ان المصالح الخاصة والكيد المذهبي، والحسابات الاقليمية، هي الغاية والهدف، ولا يهمّ ان غرق لبنان في كارثة الفراغ، واللبنانيون في حريق الفتنة.
* * * *
آخر الافلام التي تعرض اليوم في الساحة السياسية، فيلم اسمه «8 اذار فرطت» ونجوم هذا الفيلم الذي لم ينته اعداداً بعد، هم رئيس المجلس النيابي نبيه برّي ورئيس تكتل التغيير والاصلاح ميشال عون، مع عدد من الممثلين الثانويين و«الكومبارس» من حزب «يسقط واحد من فوق»، وحبكة الفيلم التي يريدون تبليعها للمواطنين ولخصومهم السياسيين، ان حلف 8 آذار لم يعد قائماً وان كل طرف معلّق بكرعوبه.
لا اخفي ان هذه البشارة تشكل ولا شك قبراً سعيداً لاكثرية اللبنانيين، لأن هذا الحلف، كان وما زال، بالنسبة اليهم، مثل حبّة السفرجل كل «كدشة بغصة» لكن اللبنانيين لم يصدّقوا هذه الشائعة، لانهم يعرفون تماماً «ارانب» الرئيس بري التي يسحبها من قبعته ساعة يشاء، وعندما تدعو الحاجة الى ذلك، وحاجة قوى 8 اذار للتوزير في الحكومة العتيدة ملحّة داخلياً وخارجياً، وملحّة اكثر ان تكون مدعّمة بالثلث المعطّل او بالحقائب السيادية او بالاحجام المنفوخة، او ببيان وزاري على المزاج، ولا بأس لو حصلوا عليها كلّها مجتمعة، وزيادة الخير خير، وعندما تأكدوا انه اسهل للجمل ان يدخل في خرم الابرة، من ان يحققوا هذه المطالب الشروط، قرروا مجتمعين متكافلين متضامنين، ان يحلّوا حلفهم، علّ وعسى يحصلون بالمفرّق علىى الذي صعب عليهم اخذه بالجملة.
هكذا طروحات ومناورات واعمال خفّة، في مثل هذه الايام الصعبة جداً على اللبنانيين، تثبت عقم التفكير وطنياً ولبنانياً، ووفرة في التفكير مصلحيا وطائفياً ومذهبياً، وهذا قد يجوز في حالات السلام والاستقرار والحياة الطبيعية، امّا في حالة الانحدار ليصبح لبنان دولة فاشلة، فهو عمل من اعمال الفاشلين سياسياً ووطنياً.