أطلق اعلان رئيس البرلمان نبيه بري وبـ”التكافل والتضامن” مع “حزب الله” الطلاق السياسي مع زعيم “التيار الوطني الحر” ميشال عون أسئلة عن مغزى هذا التطور الاول من نوعه في العلاقة بين “الثنائي الشيعي” وحليفه المسيحي منذ العام 2006، وأسبابه وحدوده ومفاعيله وصلته بالملفات الداخلية والاقليمية، رغم حرص الرئيس بري على تحييد السقف الاستراتيجي الجامع لقوى “8 آذار” والمتصل بالموقف من اسرائيل والمقاومة.
ثمة مَن قرأ في بيروت اعلان بري ومعه “حزب الله” الافتراق عن عون في المسائل الداخلية مجرّد “مناورة” في مقاربة عملية تشكيل الحكومة، تقوم على توزيع أدوار، والهدف منها امساك “8 آذار” بالثلث المعطل مداورةً بعد الرفض الحاسم لهذا الشرط الذي يجعل مصير الحكومة في يد هذا الفريق، الذي لم يتردد في الاطاحة بحكومة الرئيس سعد الحريري عبر استقالة ثلثها المعطل في العام 2011.
هذه المقاربة الرائجة في بعض الصالونات السياسية تحت تأثير الريبة من “الدهاء السياسي” الذي ميّز الرئيس بري كلاعب ماهر، لا تعبّر بالضرورة عن الاسباب الفعلية لاعلان الطلاق مع عون أقله حالياً من دون قفل الباب امام الافادة من نتائج الخلاف الطارئ عندما تقتضي الحاجة الاستراتيجية، نظراً لبراغماتية الطرفين اللذين نجحا في الاعوام الماضية في الصيانة الدائمة لتحالفهما.
أوساط على صلة بالعلاقة بين “الثنائي الشيعي” و”التيار الوطني الحر” كشفت لـ”الراي” الكويتية عن أزمة فعلية تنتاب التحالف بين الطرفين، أفضت الى ذهاب الرئيس بري وبالنيابة عن “حزب الله” الى حد الاعلان عن تعليق عمل ائتلاف “8 آذار”، في تطور جاء أشبه بـ”الرمانة” التي أظهرت ما اعتمل في “القلوب المليانة” التي حالت دون ترميم التصدعات التي لحقت اخيراً بالعلاقة بين الطرفين.
وتحدثت هذه الاوساط عن “صدمتين” أحدثهما أداء العماد ميشال عون اخيراً، لم يكن في امكان الثنائي الشيعي تجاوزهما نظراً لحجم الأذى السياسي الذي نجم عنهما، وهما:
* استقبال العماد عون للسفير السعودي في بيروت علي عواض عسيري، في اللحظة التي كان يشنّ الاخير أعنف هجوم على “حزب الله” في بيان وزّعه وهو في طريقه للقاء زعيم «التيار الوطني الحر»، الامر الذي لم يكن يتوقعه الحزب، الذي اصيب باستياء بالغ من حليفه.
* مقاطعة العماد عون للجلسة البرلمانية المتنازع عليها مع فريق “14 آذار” نتيجة ما عُرف بمعركة الصلاحيات وتسبُّبه بتطيير النصاب، وتالياً تمكين خصوم الرئيس بري من تسديد ضربة موجعه له من خلال الاطاحة بالجلسة التي كان مقرراً انعقادها مطلع الشهر الجاري، ما جعل بري يعتبر موقف عون “دفرسواراً” سهّل على الآخرين ليّ ذراعه في معركة بالغة الحساسية بالنسبة اليه.
وفي تقدير هذه الاوساط ان “الفاول” الذي ارتكبه عون مع “حزب الله” والرئيس بري بضربه “تحت الحزام” لم يمرّ، وتسبّب بتفاعلات سلبية جرى التعبير عنها بترك عون وشأنه من خلال الموقف الذي اعلنه الرئيس بري حين تحدث عن طلاق سياسي مع زعيم “التيار الوطني الحر” حيال المسائل الداخلية، بغض النظر عن محاولات ربط هذا التطور بقضايا مثل تشكيل الحكومة او ما شابه.
وأبدت الاوساط عينها شكوكاً في امكان ترميم الجرّة التي انكسرت بين “الثنائي الشيعي” وعون، قبل ان يعود زعيم “التيار الوطني الحر” عن الاخطاء التي ارتكبها، سواء في ملاقاته للسعودية التي تشنّ حرباً على “حزب الله”، وان في ادائه الذي عرّض مكانة بري للانتكاسة، وتالياً فان الازمة مع العماد عون فعلية وليست مجرد تباينات في وجهات النظر يمكن التساهل معها.
ولفتت تلك الاوساط الى ان “الثنائي الشيعي”، الذي يبدي تفهماً لـ”نقمة” العماد عون بسبب عدم التمكن من تحقيق رغبته المشروعة في الوصول الى الرئاسة الاولى او تعيين صهره العميد شامل ركز قائداً للجيش، يأخذ على زعيم “التيار الوطني الحر” تحميله بري و”حزب الله” مسؤولية ذلك وكأنهما يملكان القدرة على التقرير في مسائل من هذا النوع بالنيابة عن “14 آذار” والنائب وليد جنبلاط والاخرين.
هذا التوصيف للعلاقة المأزومة، وعلى نحو غير مسبوق، بين “حزب الله” والعماد عون على وجه الخصوص، تطرح اسئلة عن مصير تحالفهما الذي تميّز بـ”صلابة” لافتة منذ توقيع وثيقة التفاهم بينهما في شباط العام 2006، ومدى حاجتهما العميقة لاستمراره في ضوء المتغيرات العاصفة التي حدثت في العامين الماضيين، لا سيما مع انفجار الصراع في سوريا ومن ثم مشاركة “حزب الله” في الحرب الى جانب نظام الرئيس بشار الاسد.
ثمة انطباع في بيروت بان تململ العماد عون وتوجيهه اشارات انزعاج من حليفه “حزب الله” وحليف حليفه الرئيس بري لا ترتبط بحسابات اقليمية بقدر ما هي على صلة باجندة زعيم “التيار الوطني الحر” الداخلية المتصلة بحصته في “كعكة” السلطة وطموحه الرئاسي، ما جعله وجهاً لوجه مع “حزب اللهط في موقفه المعارض بشدة للتمديد للبرلمان ما يحرمه من فرصة الوصول الى الرئاسة الاولى، وللتمديد لقائد الجيش جان قهوجي، لانه يحرمه من امكان تعيين صهره قائداً للجيش.
ولان “حزب اللهط يغلّب الاستراتيجي على اي شيء آخر، لم يجارِ العماد عون في خيارته بعدما وجد ان مصلحته تقتضي التمديد للبرلمان الحالي الى حين اتضاح اتجاهات الريح في سوريا، والتمديد للعماد قهوجي لاطمئنانه الى الدور الذي يلعبه الجيش في ظل الظروف الراهنة التي يعيشها لبنان.
ولم تستبعد دوائر مراقبة في بيروت ان يكون الافتراق، اقله “المرحلي” بين “حزب الله” وعون، تعبيراً عن تضاؤل مكانة عون في المشروع الاستراتيجي للحزب وعدم حاجته اليه، كما كان الحال في السابق، بعدما اصبح “اللعب على المكشوف” في لبنان والمنطقة، وعن اكتشاف عون حجم الاثمان التي يمكن ان يتكبدها على المستويين الداخلي والخارجي بعدما فقد قدرته على التأثير في مجريات الواقع الداخلي وبات مرشحاً لحصد ارتدادات تورط “حزب الله” في الازمة السورية.