
كتبت كارلا خطار في “المستقبل”:
أن ينصرف “التيار الوطني الحرّ” عن المصالح الإنتخابية والوزارية وأن ينأى بنفسه عن تكرار لازمة الإستنكار لتفجير بئر العبد للوقوف الى جانب حليفه “حزب الله”، لا يعني أن التباين في الرأي بين أحزاب قوى 8 آذار، وليس الخلاف في ما بينها، قد بلغ هذه المرحلة “المنكوبة” من نأي “التيار” بنفسه عن مستلزمات ورقة التفاهم وما يحتاجه الحزب ليتجاوز إطاره الضيق.
ففي اليومين الأخيرين برزت تصريحات لنواب “التيار” كلّها تشير الى قبولهم الحلّ الذي قدّمه رئيس مجلس النواب نبيه بري من خلال فكّ الإرتباط بين مكونات قوى 8 آذار. وعلى الرغم من أن هذه التصريحات تزامنت مع الخلاف الإعلامي والعلني، إلا أن القيادة العونية أوعزت الى أعضائها بعدم التهجّم على بري.. وبين ليلة وضحاها حلّ الوئام وفقد “التيار” أسباب هجومه على بري.
قد تتمكن مسرحية الخلاف أو التباين بين أحزاب قوى 8 آذار من أن تجد لها تصريفاً ديبلوماسياً على المستوى السياسي، إلا أن ما يصعب تمريره على أهل السياسة كما على كل الشعب اللبناني، الذي لا يقبل أن يستخفّ البعض بعقله وأن يهين ذاكرته، هو ما صدر عن وزير الطاقة جبران باسيل خلال مقابلة له في احدى المجلات حول استقلالية “التيار”، وحَرفيّتَه “أننا لم نكن يوماً في 8 آذار، نحن تيار وطني حرّ متفاهمون ومتحالفون ومختلفون مع أفرقاء آخرين”.
والصحيح في كلام الوزير أن “التيار الوطني الحرّ” لم يكن يوماً إلا في 8 آذار، لأن مغريات وثيقة التفاهم التي قدّمها له “حزب الله” جعلته يعيد النظر في حساباته النيابية والوزارية. ومنذ ذلك الوقت، أي منذ العام 2006، و”التيار” ملتزم قرارات “حزب الله” في التجديد والتمديد وحلّ مشكلة المياومين في وزارة الطاقة، ليس لقناعة منه بأن ما يقوم به الحزب هو الصواب، لأن رسالة “التيار” السياسية لم تبلغ بعد مرحلة تقويم السياسات لأنها ترسو منذ أكثر من ربع قرن على مقعد ومركز وقيادة..
والأدلة على كون “التيار” هو في صلب قوى 8 آذار كثيرة ومترسّخة في كل مفاصل التقلبات السياسية منذ العام 2006.. فـ “تجمّع” 8 آذار، كما كان مكتوباً له أن يكون بعد تظاهرة الشكر لنظام بشار الأسد، نشأ بعد اتفاق بين شخصيّة لبنانية نافذة معروفة بانتمائها للمحور الإيراني – السوري، وأخرى سورية، وكان الهدف من “التجمّع” إعادة المعنويات للنظام السوري بعد انسحابه من لبنان..
غير أنه ما كان مقدّراً لهذا التجمّع أن يستمرّ لولا دعم “التيار الوطني الحرّ” له، وتوقيعه وثيقة التفاهم معه في مار مخايل.. هذا الإلتحام، أخرج “حزب الله” من الإطار الشيعي التمثيلي المذهبي الضيّق وأدخل “التيار” في روح المحور الإقليمي. وبناء على هذا المفهوم، فإن العونيين أعطوا لـ “حزب الله” امتداداً يتجاوز من خلاله الإطار الشيعي.. فهل يمكن بعد 7 سنوات أن ينفصل “التيار” عن الحزب ويتركه في عزلة مذهبية؟
بالطبع لا.. كما أن هذا العزل، سيعيد حكماً الإتفاق الرباعي الى الساحة السياسية وهذا ما لن يقبل به “حزب الله”.. هذا فضلاً عن أن انفراط العقد بين قوى 8 آذار ليس بيد رئيس المجلس النيابي، فوحده الذي ربط العقد يستطيع فكّه.. ولكن ما الحاجة الى انفراطه طالما أن صبر رئيس تكتل “التغيير والإصلاح” طويل مع حلفائه، لا ينفد كما مع خصومه، على الرغم من أن “حزب الله” حين يتّبع سياسة التفاضل بين حلفائه، لا يختار سوى نفسه!
لكن باسيل فضح اللعبة هذه المرة، معتقداً بأنه إذا “فلش” أوراقه بهذه الصراحة فلن يحسب أحد حساباً للمخطط الآذاري “المنفرط”، فيقول باسيل “أعتقد أن السبيل للخروج من قصة الثلث (اي الثلث المعطّل) هو أن تحسب الأفرقاء كل بحجمه الحقيقي فلا أحد لديه الثلث”. قد يكون مستحيلاً في المجلس النيابي أن يشكل حزب واحد ثلثاً معطّلاً للحكومة، وهذا ينطبق على كل حزب في 8 آذار، إذ إن التحام كل الأحزاب مع بعضها ضمن التشكيلة الحكومية وبحسب عدد الوزراء الذي سيطالب بهم كل حزب على حدة، متذرّعاً بحجمه، ليتّحدوا معاً في الحكومة ويقيمون “جمعية” الثلث المعطّل! علماً أن رئيس تكتل “التغيير والإصلاح” أفقد السياسيين كما الشعب أحجامهم، فما عاد حلفاؤه السياسيون من العظماء..
ويستبعد باسيل أن يشكل رئيس الحكومة المكلّف حكومة أمر واقع شارحاً “أن همه هو تأليف حكومة تخلص البلد لا أن تورط البلد، (..) وأي شروط أخرى توضع كقضية ألا يكون حزب الله في الحكومة هدفها ألا يكون هناك حكومة”. إذاً فإن التباين في الرأي لم يلغِ دور “التيار” في الدفاع عن مصالح “حزب الله”، لكن في الوقت عينه يريد باسيل أن يبدو “التيار” في موقع تسهيل تشكيل الحكومة ومساعدة الرئيس المكلّف.. عندما لم تأتِ شروطهم بنتيجة، اعتمدت أحزاب قوى 8 آذار على المثل القائل “رجل في البور ورجل في الفلاحة”، لكن ماذا سيكون حجم التمثيل لمن فقدوا عظمتهم.. وهل يفتح هذا النقاش الباب على زيارة عونية لمن ربط عقد التحالف؟.