ما كانت ” مزحة ” الافتراق بين جناحي 8 آذار تستحق التوقف عندها في لحظة تنامي المخاوف الكبيرة على امن اللبنانيين ومصيرهم لولا استهانة بعقول الناس برزت من خلال بعض جوانب وبعض اطراف هذه المناورة.
لم يقنع الرئيس نبيه بري احدا، ولعله اول غير المقتنعين بنفسه، بان الطلاق مع العونيين يستقيم بإعلان شكلي سرعان ما سيجد من يسأله اين يصرف او يسيل او “يقرش” (بلغة الجنرال عون ) هذا الطلاق النصفي ما دام مآله ثلثاً معطلاً زائداً واحداً في الحكومة المرتجاة.
في المقابل، اذا كان الفريق العوني اختط لنفسه منذ فترة هامش التمايز عن حليفيه الشيعيين وراح يوسعه في اطار حسابات قد تكون مفيدة مصلحيا، فهو لم يكن موفقا ابدا في غسل ايديه من الانتساب العضوي الى فريق 8 آذار. بدا حديث العونيين عن “ساحتين “او فريقين اصلا ضمن 8 آذار كأنه تنصل من ” تهمة ” بما يشكل باب مساءلة واسع لهذا الفريق عن السنوات الطويلة من زمن تفاهم مار مخايل مع ” حزب الله”. ولن يكون غريبا والحال هذه ان يسأل الفريق العوني عما اذا كانت القرارات الكبرى التي اتخذها ” حزب الله” ابتداء من حرب تموز مرورا بـ7 أيار وصولا الى التورط في الحرب السورية ثمرة مشاركة في القرارات من جانب الفريقين، ام ان الفريق العوني غطاها كلها على رغم عدم استشارته مسبقا بها. وفي اي حال، فان الامر يرتب مساءلة ما دام الفريق العوني بادر بنفسه الى اعلان الفراق “التكتي” والابقاء على التحالف “الاستراتيجي”.
قد يسارع العونيون الى الرد على التشكيك في المناورة باعلاء الكثير من نقاط الضعف التي تعتري معسكر 14 آذار. والحال ان ثمة الكثير من احوال سلبية لدى هذا الفريق الا في مسألة “التماسك” الحديدي التي كانت قوى 8 آذار تزعم احتكارها لنفسها، فاذا بها تسابق رهاناتها على فكفكة خصومها باعلان الفراق. ولذا سيتعين على جناحي الانفصال، بالحدود الدنيا ان يتحليا بقدرة على الاقناع افتقداها في جولة اطلاق المناورة الدعائية التي وقفت عند اسئلة بديهية بسيطة ليس اقلها لماذا نأى “حزب الله” بنفسه عن شريكيه في منح الانفصال درع التثبيت اذا كان الامر على هذه الجدية ؟ وكيف يكون افتراق بين “التكتي” و “الاستراتيجي” ما دام الثاني استولد الاول ولا يزال يقطره ؟ ام تراه فراق على طريقة توزيع الابناء على الابوين حين تملي مصلحة العائلة ايهام الجيران بنزاع تتعدد فيه الرؤوس لاقتناص مزيد من حقوق الجيرة؟