اعلان تفكك تحالف 8 آذار هو اجتهاد غير موفّق، لأنّ الفريق العاجز عن ترتيب شؤون بيته الداخلية وترجمة تحالفه الاستراتيجي داخل الدولة ومؤسّساتها هو غير مؤهّل لقيادة البلاد، خصوصاً أنّ الهدف الرئيس للوصول إلى السلطة تحقيق الأهداف الاستراتيجية، وخلاف ذلك يعني أنّ التحالف لا يخرج عن إطار اللعبة السلطوية الضيّقة (قوم حتى أقعد محلّك) التي يؤيّد فيها الفريق العوني خيارات “حزب الله” الإقليمية بشرط مقايضة هذا التأييد بمكاسب سلطوية.
فالفصل بين البُعدين المحلّي والخارجي غير ممكن، لأنّ اتفاق عون مع 14 آذار، على سبيل المثال، على تأليف حكومة من دون “حزب الله” وبيان وزاري يعتمد “إعلان بعبدا” بدلاً من “جيش وشعب ومقاومة”، كما اتفاقهما على انتخاب رئيس للجمهورية وغيرها من المسائل يضعف الدور الإقليمي للحزب ويرفع الغطاء المحلّي السياسي والمؤسّساتي عنه، وبالتالي يفرغ تحالفهما الاستراتيجي من أيّ مضمون سياسي.
وطالما الشيء بالشيء يُذكر فما نفع تقاطع 14 آذار مع النائب وليد جنبلاط في الملف السوري إذا كان رئيس الاشتراكي أراد ويريد تبدية التحالف مع “حزب الله” على التحالف معها ومع “المستقبل”. فقوّة أيّ تحالف تنبع من قدرة مكوّناته على الاتفاق على الملفات الداخلية تحت سقف اتفاقها على الملفات الخارجية، وكلّ كلام آخر هو لتبرير فشل هذا التحالف.
وإذا كان ما أُعلن هو كناية عن فكّ التحالف القائم على أساس “وثيقة التفاهم” بين “حزب الله” والتيّار، فإنّ تأكيد “التيار الوطني الحر” المتواصل بأنه لم يكن في الأساس جزءاً من فريق 8 آذار هو دليل على غياب اللحظة المؤسّسة والقضية المشتركة لهذا الفريق، ودليل إضافي على البُعد المصلحي الذي يجمع بين مكوّناته.
وأمّا الفشل الذي أعلنه فريق 8 آذار فقد جاء متأخّراً، لأنّ هذا الفريق لم يتمكن يوماً من تقديم حتى مشهدية مشتركة، وباستثناء لقاء “مار مخايل” الذي شهد توقيع التفاهم لا يمكن الحديث عن إطار جامع لهذه القوى التي يبدو وكأنّها تتحرّك بـ”الريموت كنترول”، فضلاً عن غياب التفاعل بين قياداتها وجمهورها، وكأنّ دور هذا الجمهور يقتصر على التصفيق والتصويت.
ومن هنا الكلام عن انفراط عقد 8 آذار ليس في محلّه، لأنه “فارط” أصلاً، ولا يشبه من قريب أو من بعيد فريق 14 آذار الذي أنشأ أمانة عامة تجتمع دورياً، وتلتقي قياداته في اجتماعات أيضاً دورية بعيدة عن الإعلام، ويقوم بحراك سياسي من إطلاق المبادرات والاجتماعات المناطقية إلى الاحتفال سنوياً بمناسبتين جامعتين، والأهم وجود رأي عام يحاسب ويسائل ويساجل…
وفي حال كان المقصود من إعلان انفكاك تحالف 8 آذار مناورة سياسية تحت عنوان حكومي لتجاوز الثلث المعطل بالحصول
على النصف زائداً واحداً، فإنّ هذه المناورة ساقطة أساساً، لأنّ شرط 14 آذار، باستثناء الكتائب، للمشاركة في أي حكومة هو انسحاب “حزب الله” من سوريا، كونها ليست في وارد توفير الغطاء السياسي لهذه المشاركة ووضع لبنان في مواجهة الشرعيتين العربية والدولية.
ويبقى أنّ أيّ مشروع سياسي يحتاج إلى قوى لحمله والدفع الى تطبيقه، وما إعلان قوى 8 آذار عن فشلها التنظيمي سوى خطوة على طريق فشل مشروعها السياسي، هذا الفشل الذي يجب أن تستفيد منه 14 آذار عبر مزيد من تطوير المشترك بينها للدفع قدماً بمشروع عودة الدولة إلى لبنان وإسقاط أيّ محاولة ترمي إلى فرط تحالف 14 بحجّة انفراط تحالف 8 غير الموجود أساساً.
