كتبت باسكال بطرس في صحيفة “الجمهورية”:
كَثُرت الشائعات والادّعاءات التي تطاول فريق «14 آذار» وتتّهمه بعرقلة وإجهاض كلّ المبادرات والإجراءات التي ترمي إلى إبعاد شبح الفراغ عن المؤسّسات وإعادة إحياء الحياة السياسية التي تتخبّط بين انقسامات وتفجيرات، في ظلّ عجزٍ واضح عن إدارة ملفّات البلاد الأساسية وتدبير شؤون المواطنين الحياتية.
تُشَنُّ حملة ضدّ “14 آذار” انتقاداً لمنهجيّتها الحاليّة في التعامل مع الملفات السياسية والأمنية المحلية، والتي تبدأ من مسألة تشكيل الحكومة ولا تنتهي في انعقاد مجلس النواب. فوُجّهت إليها أصابع الاتّهام بإرساء الفراغ في المؤسّسات، على خلفيّة السّجال الحاصل راهناً بين المكوّنات السياسية حول شرعيّة الجلسة النيابيّة أو عدمها، وحول تشكيل حكومةٍ سياسية أو تكنوقراط، فضلاً عن ظاهرة السلاح المتفشّية في عدد من المناطق، وغيرها من المواضيع الساخنة.
وفي هذا الإطار، ينفي عضو كتلة “المستقبل” النائب نهاد المشنوق، في حديثٍ لـ”الجمهورية”، ما قيل عن محاولة قوى “14 آذار” لاستثناء “حزب الله” أو عزله سياسيّاً من الحكومة، ويسأل عمّا إذا كان اللبنانيون يتحمّلون حكومة تنقل الصراعين الدائرين في كلّ من سوريا ولبنان إلى مجلس الوزراء، أم أنّهم باتوا يتوقون الى حكومة تكنوقراط أو “سياسيّين على الرّيحة”، حتى تهتمّ بشؤونهم وتراعي هواجسهم، مؤكّداً أنّ “14 آذار” لا تستثني “حزب الله” فقط من الحكومة، بل كلّ القوى السياسية، بما فيها أعضاؤها، انطلاقاً من مبدأ ضرورة إبعاد كلّ الانقسامات والتفجيرات عن طاولة مجلس الوزراء، التي لا تحتمل العناوين السياسية الكبرى، وإلّا تتحوّل كلّ جلسة الى مشروع اشتباك لا نهاية له، بحيث سيُطرح الدم السوري، ودم الانفجارات الإرهابية، ودم طرابلس وعبرا وعرسال على الطاولة. في حين يتوجّب اتّخاذ القرارات حول هذه الأمور السياسية الكبرى على طاولة الحوار، لأنّ البلد يمرّ في مرحلة انفجار أو انتحار، وبالتالي، المطلوب في هذه المرحلة الانتقالية، هو ضمان إرساء الأمن وتأمين حاجات الناس وانتقال الصراع السياسي إلى طاولة الحوار، ريثما تتّضح الصورة في المنطقة.
الجلسة التشريعية
وبانتظار تشكيل حكومةٍ جديدة تُنقذ الحياة السياسية من خطر الفراغ السياسي، يُعتبر مجلس النواب بعد استقالة الحكومة، وبحسب المادة 69 من الدستور، “في انعقاد استثنائيٍّ حُكماً، وبالتالي لا لزوم لمرسوم لفتح الدورة الإستثنائية، ويبقى هذا الأمر قائماً حتى تأليف حكومة جديدة ونيلها الثقة”. إلّا أنّه وما إن أعلن رئيس المجلس عن موعد جلسة استثنائية، حتى قرّرت “14 آذار” المقاطعة لاعتباراتٍ وُصفت بالـ”محض سياسية”، فتحوّلت الخلافات والتباينات إلى طائفية ومذهبية.
ويستغرب المشنوق هذا الانطباع السائد والتهمة الموجّهة لـ”14 آذار”، ويوضح أنّ مقاطعتها للجلسة الأخيرة تحتمل نقاشاً على مستويات ثلاثة: بدءاً بالسياسي، نظراً إلى ضخامة الأزمة السياسية في البلاد. وانتقالاً إلى المستوى الدستوري، حيث يلفت إلى أنّه على الرغم من دستورية دعوة الرئيس برّي إلى حضور الجلسة، إلّا أنّ الرأي القانوني واضح فيما يتعلّق بمسؤولية المجلس النيابي، عندما يقتصر دور الحكومة على تصريف أعمال، من حيث ضرورة التعاطي مع المسائل النقاشية ضمن أضيق الحدود وعند الضرورة والإستثناء، وليس في إطار جدول أعمال عاديّ، وكأنّ الأمور تسير في البلد على أحسن ما يرام، لافتاً إلى أنّ الخلط بين دستورية الدعوة إلى إنعقاد المجلس ومضمون جدول الأعمال، هو ما يقودنا إلى استنتاجات خاطئة من نوع تعطيل أو إقفال المجلس. أمّا على المستوى الأمني، فيرى المشنوق وجود ضروراتٍ أمنية تبرّر استثناءاتٍ في جدول الأعمال، ومنها رفع سنّ التقاعد لكلٍّ من قائد الجيش ورئيس الأركان التزاماً بقرار الرئيس الحريري، فضلاً عن إعطاء مفعولٍ رجعيّ للقانون بحيث يستفيد منه، للأسباب الموجبة نفسها، اللواء أشرف ريفي.
وإذ يذكّر بكلام سابق لرئيس المجلس كان قد دعا خلاله إلى الاستعجال في عقد جلسة التمديد للمجلس قبل تاريخ 31 أيّار، على قاعدة أنّ التمديد التقني لا يمكن إقراره بعد الموعد الدستوري، ما يستدعي الحكومة الى إحالة مرسوم الدورة استثنائيّاً، بتوقيع كلٍّ من رئيسي الجمهورية وحكومة تصريف الأعمال، يسأل المشنوق: ما الذي تغيّر اليوم، وكيف أصبح المجلس فجأةً، وبعد التمديد له، في حال انعقاد دائم، وعلى خلفية جدول الأعمال الذي يريد، من دون الحاجة الى صدور مرسوم؟، معتبراً أنّ العودة عن الخطأ فضيلة، لأنّ المسألة تتعلّق بمسار التفاهم بين جميع مكوّنات المجتمع اللبناني، ومشيراً إلى أنّ اعتراض حوالى 80 نائباً على جدول الأعمال، يجب أن يشكّل سبباً وجيهاً لمراجعته في إطار البحث عن حلولٍ ترضي الجميع. ما يستوجب التفاهم مع رئيس الجمهورية على جدول أعمال محدّد يأخذ في الاعتبار القضايا الضرورية ويبني عليها الموقف أو الجلسة.
دستور جديد؟
وعلى خلفية تطيير الجلسة، اعتبرت مصادر برّي ما يجري “استهدافاً للمؤسّسة التشريعية وانقلاباً على اتفاق الطائف”. فهل أصبح لبنان فعلاً بحاجة الى دستور جديد؟ وهل تغلّب الحسّ المذهبيّ لديه واقتاده الشارع بدل أن يقود هو الشارع؟
يُفاجئ كلام برّي وبعض نوّاب الكتلة المشنوق عن الاتّجاه إلى نسف الطائف وتعديله، سائلاً: أليس رئيس المجلس نفسه من قال في السابق، إنّ تعديل الطائف سيؤدّي الى حرب أهلية؟ فما الذي تغيّر اليوم ليصبح تعديل الطائف مطروحا؟
وانطلاقاً من تجربتَي الفراغ الرئاسي في عامي 1988 و2007 واللتين أدّت كلّ منهما إمّا إلى اتفاق الطائف وإمّا إلى اتفاق الدوحة، تُطرح اليوم تساؤلات عن إمكان تحوّل الفراغ السياسي الحالي إلى اتفاق دوحة ثانٍ. الأمر الذي ينفيه المشنوق، إذ ليس هناك من جهة إقليمية تهتّم بشؤوننا أو متفرّغة لأمورنا في ظلّ الظروف التي تعصف بالمنطقة، مؤكّداً أنّ إعلان بعبدا هو العنوان السياسي الوحيد الذي قد يمنع انتقال الخطر أو الحريق الكبير المشتعل في سوريا، إلى لبنان.
إلى ذلك، يصف المشنوق الحملة المُفتَعلة من 8 آذار ضدّ موقف “14 آذار” من مؤسّسة الجيش بالوقاحة غير المسبوقة، موضحاً أنّ هناك خلطاً بين موقفنا من المؤسّسة العسكرية وبين ما قيل عن دعمنا للأسير. وإذ يؤكّد أنّ “14 آذار” لم تدعم يوماً الأسير في أيٍّ من مواقفه الحادّة، ولطالما اعترضت اعتراضاً واضحاً وصريحاً وحازماً على تسلّح هذا الأخير، الذي قضى على نفسه منذ اللحظة التي حمل فيها السلاح.
وعن الاتّهامات التي وُجّهت أيضاً لـ”14 آذار”، بالتشكيك بالمؤسّسة العسكرية والدور الذي تقوم به، وتشجيعها للحركات المسلّحة، ولو بشكلٍ غير مباشر، وذلك على خلفيّة أحداث عبرا، يردّ المشنوق مؤكّداً أنّ موقف “14 آذار” ودعمها أكيد وثابت ونهائيّ لمؤسّسة الجيش، فلا خيار أمامها سوى مؤسّسات الدولة. ويعود ليسأل: ألا يحقّ لنا كمواطنين أن نعلم ما الذي حصل في عبرا؟ إنّ سؤال قيادة الجيش لا يعني إدانتها. فاعتراض “14 آذار” يتعلّق بمشاركة “حزب الله” في المعركة، وليس بدور الجيش المعتدى عليه من قِبل مسلّحي الأسير، وهناك إثباتات عليها، موثّقة بالصوت والصورة. وفي هذا السّياق، يلفت المشنوق إلى أنّ استخدام المدفعيّة في المعارك أمر مكشوف، في حين تشير كلّ المعلومات العسكرية الموثوقة إلى أنّ الجيش لم يستعمل المدفعيّة، بل اقتصرت أسلحته على الـ آر بي جي والأسلحة الخفيفة، ما يؤكّد مشاركة “حزب الله” في المعارك.
ويختم المشنوق مشدّداً على إصرار” 14 آذار” على تمسّكها بشعار “العبور نحو الدولة”، بعيداً عن منطق السّلاح خارج الدولة. فهدفنا الوحيد يبقى الدولة اللبنانية، لافتاً إلى أنّ هذا المنطق هو الذي قد يوصّف أزمة “14 آذار” مع جمهورها، الذي لم يعد قادراً على تقبّل “إصرارنا ” إذا لم نقل “فشلنا في استعادة الدولة”. إلّا أنّ ذلك لن يثنينا عن مشروعنا الوحيد والدائم للوصول إلى إقامة الدولة عبر النضال السياسي المدني والسلمي وصولاً إلى العصيان المدني.