#adsense

أن أكون لبنانياً الآن.. يعني.. أنّني.. تافه..

حجم الخط

حاولت كثيراً هذا الأسبوع أن أهرب من الدّاخل اللبناني أي أن أستفيد من التّطورات في مصر والمنطقة.. وأستطيع أن أكذب على نفسي مدّعياً أهمية ما يجري حولنا على حاضرنا ومستقبلنا.. وهذا أمر صحيح.. إنّما عليّ أن أعترف بأنّ ما يدور حولنا تصنعه شعوب تلك الدول وليس حكّامها.. ويتحدّون قوى جبارة في ظروف صعبة مع تعقيدات عقائدية ووطنية وقومية.. وهذا ما يحدث في كلّ بلد من بلدان الرّبيع العربي على اختلاف الظّروف والأدوات والتّدخّلات الإقليمية والدولية.. واختلاف المعوّقات الطائفية والمذهبية والعرقية والجغرافية بين تلك البلدان.. إلاّ أنّ الجامع الوحيد بينها هو حالة الصحوة التي يعيشها شباب تلك المجتمعات وظهور وعي سياسي إقتصادي إجتماعي إنساني رفيع وواضح.. مع إدراكٍ عميق لألف باء المواطنية.. أي دولة الحقوق والواجبات.. والتّأكيد على توحيد طاقات المجتمع البشرية العلمية والفكرية والإبداعية والإنتاجية دون التّمييز بين المرأة والرّجل والشّباب.. بالإضافة إلى المصالحة بين مكوّنات الهوية الوطنية الدينية والعرقية والعقائدية والطبقية.. وبلورة خارطة طريق وطنية تأخذ بموضوعية مواءمة الإمكانيات البشرية والمادية مع الأهداف الوطنية وهذا ما يسمى بالإستراتيجية.. تلك الشعوب تعرف تماماً ما تريد.. وتعرف تماماً مدى قدرتها على تحقيق أهدافها.. ولهذه الأسباب وجدتُ أنّه من العيب والتفاهة سرقت تضحياتهم وبطولاتهم وانتصاراتهم لأسقطها على عجزي وفشلي وأوهامي وكذبي.. وهي صفات دقيقة للمواطن اللبناني..

قبل أسبوعين كتبت مقالاً تحت عنوان أن تكون سنياً الآن.. بعد صلاة الجمعة رقم (1).. واعتبرتُ بأنّ رفع شعارات فوق لبنانية تحتّم عليّ إعلان موقفي منها بوضوح.. وأعتقد بأنّني كنت واضحاً بأنّ مواطنيّتي اللبنانية العربية ترفض كلّ الشّعارات والتكوّنات الفوق لبنانية مع التّأكيد على التّفاعل مع المجتمعات العربية المحيطة من خلال خصوصيّتنا الوطنية المستقلة وفي إطارها السيادي.. والمنتمية للمحيط باللغة والثقافة.. وكل انتظام يرفع من مستوى التّفاعل العلمي والثقافي والإقتصادي والإجتماعي بين مجتمعاتنا العربية.. كذلك الأطر الناظمة لكافة أشكال العمل العربي المشترك دون تابعية أو تغوّل أو إستكبار..

نجحت محاولة هروبي من الداخل اللبناني السبت الماضي.. واعتقدت أيضاً بأنّني قد أكون مفيداً في تقديم قراءة لمكوّنات الهوية الوطنية المصرية.. إلاّ أنّ متفجرة بئر العبد أرعبتني كثيراً لأنّها كشفت مستوى التعبئة والتّربص بين اللبنانيين جميعاً دون استثناء مع مظاهرها غير الإنسانية تماماً وغير الوطنية.. وأيضاً غير الأخلاقية..
أين المتفجرة الآن.. كيف وُضعت وما هي نتيجة التّحقيقات.. وما هو حال المصابين والمتضرّرين.. كلّ ذلك غير موجود في الخطاب السّياسي.. وهو لا يشبه أبداً ما جرى بعد أحداث عبرا.. إذ انشغل الجميع برفع آثار الأحداث.. مجتمعياً وإنسانياً وطبيّاً وقضائياً وعمرانياً.. بشكل علنيّ ومكثّف.. وهذا هو الممكن لدى القوى السياسية الصيداوية.. وطبعاً هناك أمور أكبر من طاقة القيّمين على الأمور.. وربما تكون أكبر من قدرة ما تبقى من مؤسسات الدولة اللبنانية الآيلة للإختفاء..

إنّ الذي بقي في ذهني من متفجرة بئر العبد هو ذلك المشهد الكريه لتوزيع الحلوى في بعض المناطق اللبنانية السنية مع الأسف.. وهذا أمر غير أخلاقي وغير وطني وغير إسلامي.. وهذا يدلّنا على مدى تحلّل الفرد اللبناني من الهوية الوطنية الجامعة.. وهو أخطر بكثير من إنهيار الدولة لأنّنا فقدنا الدولة مراراً.. واحتلت أرضنا.. وخضعنا للإحتلال.. وللدولة داخل الدولة أيام الفلسطينيين.. وللوصاية أيام السوريين.. ورغم ذلك بقيت الهوية الوطنية متماسكة.. وبقي التّواصل بين المسلمين والمسيحيين.. والمناطق المتقابلة والمتناحرة.. وتلك الهوية الوطنية إستطاعت أن تعيد تأكيد الإرادة الوطنية بالعيش معاً في أكثر من حقبة وأمام كلّ تحدّ.. ولم أشهد قبل الآن فئة لبنانية.. أو فرداً.. أو حزباً تطرّف وانفرد في رؤيته للوطن إلى درجة أن أحرق مراكب عودته لحضن الهوية الوطنية الجامعة كما أراه الآن.. وهذا يعني أنّه لم يعد هناك فكرة جامعة بين اللبنانيين.. وأنّ كلّ فريق أصيب بالعمى السياسي.. اي أنّه لم يعد يرى شريكه في الوطن.. ولم يعد يرى نفسه أيضاً.. أي أنّنا في حال من الوهم والتّخيّل لأنفسنا وسوانا.. وهذا ما يجعلنا غير قادرين من التّحقق من الأشياء.. وأصبحنا نقول ما نحسّه وليس ما نراه أو ما نحن متأكّدين منه.. وبذلك نكون كذابين.. لأنّ الكذب هو مغايرة الحقيقة.. وبما أنّ ما نقوله لسنا متأكّدين من أنه حقيقي أو لا.. فأيضاً أصبحنا نكذّب ونصدّق أنفسنا.. أي أنّنا أصبحنا بالوهم خارج المكان.. وبالكذب خارج الزمان.. بالإضافة إلى العمى والكذب.. فلقد فقدنا حاسة السّمع.. فنحن الآن لا نسمع الآخر.. ولا يهمنا ما يقول.. ولا نسمع إلاّ أنفسنا.. وجميعنا متأكّدين بأنّنا عندما نطلّ على التلفزيون يشاهدنا جماعتنا فقط.. وعندما نكتب أيضاً يقرأنا جماعتنا.. ولكلّ فريق إعلامه.. ولكلّ جماعة جماعتها.. وبذلك نكون أصبنا بالطرش السياسي حتى حين يحذّرنا صديق لنا من خطر محدق بنا فإنّنا لا نصدّقه لأنّه ليس من جماعتنا.. وإذا تابعنا توصيف كلّ زعيم للآخر أو كلّ فريق للآخر.. وإذا اعتبرنا أنّ ما يقولونه جميعاً ويعتقدون به.. وبعد أنّ تأكّدنا من أنّ الكلّ.. يشيطن الكلّ.. والكلّ يكفر الكلّ.. وبناءً على ما جاء على لسانهم بأنّهم.. جميعاً شياطين.. وجميعهم تكفيريين.. وجميعهم أكلت أكباد وسفاحين.. وهذا آخر ما أبدعته العبقرية اللبنانية وهذا يعني بأنّني رجل تافه..

أحدثت متفجرة بئر العبد رعباً عندي.. وحزنت لأنّني لا أزال لبنانياً حتى الآن.. وخصوصاً من مشاهدة الحلويات المرةّ كسابقاتها في أماكن أخرى.. إلاّ أنّ موجة الهجوم على شخصية سياسية بعينها من عموم الناس المفجوعين بالمتفجرة يبين مستوى التعبئة المخيفة ضد شخصية بعينها ما كانت يوماً إلاّ محباً وصديقاً للجميع.. وللمفجوعين بالمتفجرة بالذّات.. وقادتهم.. وأحزابهم.. وحركاتهم.. والقاصي والداني من اللبنانيين يعرف ذلك حتى قبل أيام مع الأسف الشديد..
أي تحدّ أمام المواطن اللبناني الآن في حين أنّ المواطن العربي يبلور شخصيته الوطنية بأبهى صورها.. وأنا أشهد الإنهيار التام للشخصية الوطنية والدولة.. وهذا يعني أنّك تخسر إنسانيتك وصداقاتك وذكرياتك وأماكنك وجذورك وأحلامك وسكينتك.. وأشعر بالفشل والإنهزام في الوعي والإرادة.. وبإنّني عشت عمراً من الوهم والعمى والكذب والطرش.. وكنت أعتقد بأنّني أفكّر وأحسّ وأرى وأتّأكّد وأسمع وأقتنع وأُقنِع.. وأنّني مواطن في وطن ومجتمع ودولة.. إنّها لحظة إنهيار للكيان الفردي والجماعي.. وأن أكون لبنانياً الآن.. يعني أنّني تافه..

المصدر:
اللواء

خبر عاجل