#adsense

بين “رمزيتَي” صناديق الاقتراع والثورة المصرية الثانية

حجم الخط

 

ما جرى في مصر، هو ثورة على الانقلاب، لا انقلاب على الثورة، كما تُردَد شعارات “الإخوان” وذرائع “دفاعها” عن شرعية الرئيس المخلوع محمد مرسي. فهؤلاء يعتبرون أن صناديق الاقتراع (وربما إلى أمد غير محدود!) هي التي أفرزت الشرعية. هذا القول، صحيح، باعتبار أن مرسي فاز بالرئاسة متفوقاً على منافسيه. هذا صحيح، لكن الصحيح أيضاً أن “الجماهير” التي دخلت في المرحلة الديموقراطية، ومرحلة الاستطلاعات (تجاوزاً لاستفتاءات الـ 99,99 من الأبد إلى الأبد). لم تعد جماهير الأمس جامدة، أو مثبتة، أو مقهورة بإرادتها، أو متجمدة في علاقتها باختياراتها. (تماماً كما هي الحال في بعض الدول الغربية). فالناخب بات ينتخب على أساس برامج عمل. ووعود. فأعطاها ثقته هنا، وحجبها هناك. لكن هذا الناخب، الذي “وعى” شروط دوره بالمحاسبة والمتابعة، عبر إلى “حالات” التحول أو التغير من هذا أو ذاك. وهنا بالذات، تصبح الفروقات بين صناديق الاقتراع وهذا التحول بارزة. وهنا بالذات تبدأ علاقات التباعد أو التقارب، أو تجديد الثقة، بحسب النتائج الملموسة التي يتحسسها المواطن مقارنة بالوعود المغدقة عليه، فإن تغيير المزاج الشعبي، الفردي والجماعي، الكمّي والنوعي، لا يمكن أن يوضع في خانة الانقلاب على ذاته. فالشعب عندما رفع لواء “الثورة الثانية” لم يرتكب انقلاباً. وإنما على العكس، مارس حقوقه الثورية والمدنية والوطنية والمواطنية، أي استمر متعلقاً بمبادئ الثورة الأولى التي هتفت بالديموقراطية، والحرية والمساواة، وتحسين الوضع الاقتصادي والقضائي والشفافية، فهل إذا أظهرت الاستطلاعات مثلاً أن مرسي فقد الأكثرية الشعبية بنسب ملموسة تعتبر انقلاباً؟ ويمكن القول في هذا الإطار هل سقوط الرئيس هولاند في الاستطلاعات إلى حدود كارثية اليوم يعتبر “انقلاباً” أم حيوية لتحرك الناخب، والناس ارتباطاً بتطلعاتهم ومشاكلهم ومصالحهم!
ونظن أن الذهنية الجامدة، الثابتة، والخلفية القرون – الوسطية (البائدة) التي أظهرها الإخوان، تعبّر عن جهل مطبق أو عن قراءة ناقصة، أو عن منهجية خاطئة، لواقع الشعب المصري بعد ثورته الراهنة. أكثر: كأن الإخوان، في نظرتهم إلى الدولة وإلى تشاكيلها، وإلى الشعب وإلى حالاته ما زالت واقفة عند المحطة السابقة. أي عند المرحلة التي تمثلها السلطة من السادات ومبارك (وتالياً مع الأنظمة الدكتاتورية عند الصدامية والأسدية والقذافية…) حيث كان الشعب مقهوراً بالقمع وممنوعاً عن الاختيار، معلباً، ومعه استفتاءات الـ 99,99 الدائمة. أي يعتبر الإخوان أن هذا الشعب ما زال في أوضاع غير سياسية وأن الصراعات ما زالت منفية ومعطلة على مختلف الصعد، الحزبية، والنقابية والفكرية والثقافية. فالثورة نقلت الصراع من صراع وهمي عاجز وملغى ومن طرف واحد بين مكونات السلطة إلى صراع سياسي. كان هناك طرف واحد “يُصارع” نفسه لكي يُمكِّن هيمنته على الدولة، وعلى الجيش والمخابرات والاقتصاد وخصوصاً الناس، أي طرف أحادي “لا شريك له” في ممارساته ولا منافس له ندياً أو مادياً، هو الذي يستبيح كل شيء، ويشرعن القمع والقتل والاستبداد والقهر ويفرض الحلول وحتى قرارات الحرب والسلم ويجدد لنفسه بنفسه، أقصد أن الأنظمة العربية السابقة لم يكن لها أن تؤمن بأي صراع سياسي متعدد، يعطي دينامية شعبية وفكرية في فضاء من الاحتمالات والتنافس، بل لم يكن لها أن تُقّر بأي ظواهر حزبية مختلفة أو حتى نقابية أو إعلامية حرية وحرة. فالحرية من “خواصها” وحدها. والسلطة من حقوقها التاريخية المؤصلة غير القابلة للجدل أو المناقشة، لا سيما عندما تحولت هذه الأنظمة إلى مجموعات أوليغارشية (فاسدة)، وثيوقراطية مستبدة وعائلية أو مذهبية أو مناطقية (أي تقسيمية). الإخوان المسلمون ما زالوا “متجمدين” عند المعطيات السابقة التي فككتها الثورة أي بقوا ارتباطاً بتكوينهم ومفهومهم وأهدافهم، ووسائل عملهم ضمن “قباب” النظام السابق. ولهذا، رأوا أن في انتصارهم الخاطف والسريع والمفاجئ فرصة ذهبية لتأبيده. أي البقاء “الحزبي” “المتوارث” الجامد في مواجهة تبعية “جماهير” ما زالوا يحسبونها في أمكنتها السابقة: فالحكم دوام لهم، والناس خاضعون لعلاقات “قطيعية” من هنا، بدت مظاهر الاستئثار وتجاوز “اللعبة” السياسية (الجديدة) وحَطَم الدستور و”أخونة” الدولة علاقات مَرَضية، غير واعية، وغير حاسبة للفضاء الشعبي الجديد، الذي لم يعد مسوقاً إلى “صناديق” الاقتراع لتجديد “البيعة” لرؤوس النظام والبرلمان والحكومة… فالميادين هي التي أوصلت محمد مرسي إلى الرئاسة. وهذا ما أغفله، بل وحاول تعطيله، فالناس ليست مجرد صناديق اقتراع مقفلة. ولا مجرد أوراق متكررة بل هي حررت كل المساحات حولها وفيها: من الميادين إلى الشوراع. إلى الساحات، إلى المنازل، إلى المقاهي، إلى الإعلام، إلى الأصوات، إلى الحقائق التاريخية والشعبية والميدانية. لكن الإخوان، وعندما هالهم نزول عشرات الملايين إلى المدن والدساكر، مطالبين مرسي بجردة حساب بمناسبة عام على تسلمه السلطة مطالبين، بتنحّيه أو بسقوطه، أي بسحب “الشرعية” منه، لجأوا إلى لعبة قديمة وهي أن ما أفرزته صناديق الاقتراع هو الحقيقة الشرعية الوحيدة، بل ورأوا في هذه الجموع العجائبية ما أذهلهم، ليس فقط لأعدادهم (قرابة 30 مليون مواطن) وإنما لتجددهم وانتقالهم (بفضل الثورة) من مواقع سابقة إلى مواقع جديدة مفتوحة. أي المواقع التي ترفض كل أنواع الاستئثار، والانقلابية والوصاية وفرض اللون الواحد وأكثر: ظهور “حركة تمرد” بهذه القوة، وبذلك الزخم هو أكبر دليل على أن الجماهير بدأت تبتكر نضالاتها الجديدة وبنياتها السياسية وخصوصاً الشبابية. ولولا روح الثورة “التجاوزية” باستمرار لما طلعت هذه الحركات المتنوعة، المتوالدة، والمتحولة. ونظن أن “حركة تمرد” هي من مفتتحات متواصلة نابعة من هواجس جموع لم تعد تؤمن بمقولة “القناعة كنز لا يفنى” بل “الحُلم” والتغير والخروج من الزوايا الضيقة ومن القناعات الجامدة… هي الكنوز التي لا تنتهي ولا تفنى، فهناك إذاً تصادم جديد بين عقلية “الإخوان المقولبة المغلقة، المُعقمة بالشعارات البائدة وبين الدروب اللانهائية التي شقها الجمهور، والتي تزهر بكل الألوان والأفكار والتمرد والتشكل المشرّع، والمستقبلية الفكرية والثقافية… والسياسية. ما كان للإخوان أن يعوا “الحقائق” التي أوصلتهم إلى السلطة، لأنهم لا يؤمنون بها أصلاً، وما كان لهم أن يفهموا معاني التحركات المليونية الحرة، السلمية، التغييرية، المتنوعة، الزاهية، الشبابية، الطازجة، الآتية من كل آفاقها الكثيرة، لأن هؤلاء الإخوان يفهمون نوعاً آخر من “الجماهير”… الجماهير “بصيغة المفرد”. أي أقل من جمهور مطيع وأقل من قطيع مسوق، وهنا بالذات رُفِع الصراع إلى رمزيتين: رمزية صناديق الاقتراع التي لا تتسع لسوى الصوت الواحد، هو الصوت الحزبي الثابت بحيث “تتقدس” مرحلة ما أو تاريخ ما.. لا يحول ولا يتحرك إلى الأبد، وبين رمزية الشعب المتحول الحر، الذي يبحث عن حقائقه، وتحدوه قضاياه وهمومه وأفكاره إلى خلق وقائع جديدة وحلول جديدة وقوانين جديدة ومقاربات جديدة. هناك في الرمزية “الصندوقية” (لكي لا أقول التابوتية) تكرار عقيم، وهناك في المقابل شعب متحول. الصندوق “وفاء” تاريخي للاستبداد (أو لآلية الاستبداد ولعجلات الوعي المعطلة، وهناك في الرمزية الثانية “الخيانة” الجميلة الموصولة بكل ما يتخثر ويفسد ويستنقع ويحنث ويفشل. فما أجمل “خيانة” الشعب لكل موقع “أبدي” أو حزب أو شخص، أو فكرة.. ميتة، وما أتفه “وفاء” القطعان لعصا الراعي! بل كأنهما مبارزة بين “حقائق” باتت خارج الشارع، وحقائق أخرى يصنعها التاريخ وتبلورها الحياة.. وتجسدها الجموع. وهنا بالذات تمكن الاشارة إلى ظهور تململ ما وأكثر في صفوف شبابية اخوانية، خصوصاً نزعة الإخوان إلى العنف، والقتل والشعارات الماضوية. ظواهر شبابية “اخوانية” تبحث عن “اخوان” آخرين، من صُلب المعطيات المصرية، ومن تواريخها، ومن وقائعها ومن ناسها. ظواهر شبابية “اخوانية” تعلن “التمرد” على “شيخوخة” القيادات والأفكار والمساومات و”التخلف” في سلفية عقيمة، قرون وسطية كهفية وهذا ما يستدعي الإسلام المفتوح. كأن ظاهرة “التمرد” الشبابية الاخوانية انضمام إلى روح الثورة المصرية. وهذا يعني، أن الآليات التي انتجتها هذه الثورة، أظهرت قدرة على تفكيك مجمل “الكتل” التاريخية المغلقة نحو بناء “كتل تاريخية حية، موصولة بكل الحساسيات التغييرية وعلى مستوى كل الأحزاب والطبقات والجماعات. التململ الاخواني الشبابي هو تمرد على المناحي “الغيتوية” والانعزالية التي تمثلها الجماعة منذ أكثر من ثمانين عاماً! وأجمل لقاءات الثورة الثانية يتمثل بتقاطع “حركة تمرد” الثورية التي قادت الانتفاضة المتجددة، وحركة تمرد الشباب الاخواني وإن كان على مساحات جنينية. وهذا يوحي، وهنا الأهم بأن الثورات ليست سوى الخروج الكبير والدائم من المواقع الثابتة إلى المواقع المتقدمة. (وهذا يربطها أصلاً بروح النهضة العربية التي حملت أولاً وأخيراً تمرداً على الانحطاط والهزيمة والاستنقاع والجمود). وهذه الأمور كررناها (وسوانا) كثيراً بعد الثورة وهي تتلخص في أن البنى التاريخية والفئوية ستشهد تفككات عديدة، وتفرز ظواهر جديدة، أي أدوار متنوعة لمجتمع متنوع. وهذا هو دور الثورة بامتياز. وهذا ما فات قيادات “الاخونجية” اليوم: أرادوا من الثورة أن تُعيد انتاج الماضي. أي انتاجهم دون سواهم. وهذا ما تبدّى في محاولة فرض اقصائية حادة على مختلف مكونات الثورة. أو ليس هذا ما فعله الخميني عندما صفّى كل الحلفاء الذين ناضلوا من أجل إسقاط الشاه الإيراني عقوداً وذبح الألوف منهم متهماً اياهم بالكفر والخيانة والعمالة للغرب… (الثوة هنا تمشي تحت شعار “إنها تأكل أبناءها.. وهذا ما فعله “البعثان السوري والعراقي. وقبلهما ستالين وهتلر..) هنا بالذات تكمن الروح الجديدة. إن من زالوا يرفعون شعار “أكل أبنائهم”… وحذفهم من التاريخ لم يعد لهم أمكنة.

الأخوان، حَمَلة الفكر التكفيري، الإقصائي، حاولوا ذلك وكأنهم “صنعوا” الثورة وحدهم.. وبات عليهم أن يصفّوا أعداءَهم أي شركاءهم الأوائل الذين سبقوهم إلى ميادين التحرير عندما كان عباقرة الاخوان يحاولون عقد صفقات مع نظام آل مبارك! وربما للمرة الأولى صارت “الثورة ترعى أبناءها” بدلاً من أن تمحوهم.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن تجربة الجيش مع الثورة الأولى لم تكن بأفضل مما حاول ارتكابه الأخوان اليوم: أي مصادرتها (بأحلاف وهمية) لينحرف إلى ما يشيه “الانقلاب” العسكري الذي فشل.. ليتقدم مرسي وحده إلى منصة القرار والرئاسة.
السؤال: هل ما فعله الجيش اليوم يثير مخاوف من نوع يذكرنا بالأنظمة العسكرية؟ وهل ستتكرر تجربة طنطاوي؟

بصراحة، كاتب هذه السطور لا يثق بأي جيش عربي. خصوصاً الجيوش التي كانت بمثابة حرس للنظام أكثر مما كانت حامية الناس والحريات المدنية والحقوق والواجبات والمجتمع… من مصر سابقاً فإلى سوريا (الراهنة) فإلى ليبيا القذافي فإلى يمن علي صالح، فإلى لبنان! حيث كانت الجيوش قامعة لكل التحركات والحساسيات المجتمعية والنقابية.

لكن هل يختلف دور الجيش المصري في الثورة الثانية: أسيترك السلطة للمجتمع المدني بصنوفه وتلاوينه من دون التدخل والمصادرة والهيمنة، وإقامة حكم عسكري بأقنعة مدنية أو حزبية هشة؟

أتمنى ذلك لكن ما هو مختلف، الآن أن الثوار الذين نزلوا بعشرات الملايين من المستحيل أن يقبلوا “حكم العسكر” من جديد. أي حكم الإقصاء، وأمننة كل شي، السياسة والثقافة والأفكار ليكون بذلك الوجه الآخر من “القبعة” إلى عمامة الإخوان. نحن لا نراهن على أي قوة لا تنتمي إلى الثورة المدنية لا في مصر ولا في أي مكان آخر. ونظن أن الربيع المصري الثاني أحرص من الجميع على سيادة إرادة الشعب على الدولة، والمؤسسات بمؤازرة الدولة بجيشها الخاضع للسلطة السياسية المنبثقة من الشعب. وهذا ما نحاول تلمسه الآن (وحتى إشعار آخر) ولهذا ربما حول الإخوان معركتهم نحو الجيش: من سيناء إلى الاسكندرية، إلى القاهرة.. مدعين أن ما جرى ليس سوى “انقلاب عسكرية”: لكن الحقيقة الأخرى أنه عندما يتدفق 30 مليون مواطن لخلع مرسي، وبحماية الجيش، لا يكون ذلك انقلاباً! وحذف “المشهد المليوني” ليس سوى تصوير الأخوان أنفسهم (أمام الغرب وإسرائيل…) وكأنهم شهداء الشرعية والديموقراطية. ونظن أن طلب مرسي الشهادة لا يختلف عن”الواجب الجهادي” الذي أعلنه حزب الله ليتدخل مدافعاً عن النظام ومشاركاً في المجازر… وطلب “الشهادة” وحمل الأكفان ورفع الشعائر الدينية والتظاهر بالتقوى والدعوة إلى الجهاد واستسقاء الدم ليست كلها سوى أعراض عنفية، دموية، تدميرية، انتحارية!… وغبية!

فأي كلام عن “الشرعية” في ظل استغلال الدين للقتل ورمي الأطفال من على السطوح وشهر الخناجر والبنادق والمسدسات!
انها فولكلوريات .. قديمة لم تعد تنطلي على أحد!
والدليل: أن الثوار ما زالوا يملأون الميادين بلغة سلمية والآخرون… مكبون على نسج “انقلابات” لا تختلف كثيراً عن تلك التي شهدناها في الخمسينات والستينات!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل