لا يختلف إثنان على القول إنّ ” حزب الله ” يعيش ، في الظاهر ، حالة زهو ، بل غرور ، في تقدير قوّته ودوره و” انتصاراته ” ، إلى درجة الإنتفاخ وبلوغ تأليه الذات .
ويرى مؤيّدوه ومحبّوه أنّ من دلائل ” جبروته ” استخفافه بكلّ الأحداث اللبنانيّة المحلّية ، فلم يكلّف نفسه التعليق أو إصدار بيان رسمي عن التفجير في بئر العبد ، وقبله معركة عبرا ، والمعارك السوريّة التي يشارك فيها ، ويكتفي بنعي بعض من يسقط في ” المهمّات الجهاديّة ” .
بل هو لم يبالِ بالمواجهة السياسيّة الطاحنة حول تأليف الحكومة والصلاحيّات ، والكلام المتصاعد عن خلافه مع أقرب حلفائه وتابعيه ، والتهم الموجّهة إليه عن دور سلاحه في الداخل والخارج ، وكأنّ لسان حاله يقول : دعوهم … فالقافلة تسير !
هذه كلّها مظاهر قوّة وارتياح وثقة بالنفس كما يقول مؤيّدوه وتروّج وسائل إعلامه .
حتّى أنّهم لم يروا إرتباكاً في صمته على التغيير في مصر ، بل إنتظار تكتيكي لرصد اتجاه الأمور . ويأخذون من كلّ إشارة إقليميّة أو دوليّة عابرة دليلاً على صحّة موقفه ونجاح خياراته ، فيكاد المتابع يظنّ أنّ ” حزب الله ” يجلس على ناصية الأحداث والتطوّرات ويُمسك بخيوطها ويُدير أعنّتها .
ولكن ، مع هذا التبسيط وسياسة الأُمنيات والحكم على المظاهر ، لا بدّ من متابعة تطوّر حالة ” حزب الله ” ودقّة وضعه وحراجة موقفه ، والخسائر الاستراتيجيّة التي يُمنى بها مقابل مكتسباته التكتيّة والجزئيّة ، خصوصاً بعد 7 سنوات على ” النصر الإلهي ” الذي أدخله قلوب العرب والمسلمين ومنازلهم من أبوابها الكبرى ، فيخرج الآن مطروداً من شبابيكها الصغرى .
وهنا عيّنة من خسائره وارتباكاته :
ليست له قدرات دولة عظمى كي يستطيع الانفلاش العسكري على أكثر من جبهة ، فلا هو أميركا ولا روسيّا ولا حتّى 1% من إيران . وقد أدّى توزيع وحداته العسكريّة بين سوريّا ولبنان إلى انكشاف مركز قيادته ، فكان تفجير الضاحية نذيراً واضحاً . سعى إلى حماية ظهر ” المقاومة ” في سوريّا فكشف خاصرتها في الجنوب وصدرها في بئر العبد .
لم يقلق على خاصرته التي لم تعُد مهدّدة تجاه ” عدو ” أمين ، ولكنّ الصدر والقلب باتا في عين العاصفة . ووجد نفسه أمام معادلة مميتة : يحمي ظهره ، يأمن خاصرته ، يعرّض قلبه !
وكذلك يجد ” حزب الله ” نفسه مجبراً على التقوقع والإنعزال في مربّعاته ، فكان إخراج معظم السوريّين وبعض اللبنانيّين ” المشبوهين ” من الضاحية باكورة هذه العزلة القاتلة ، إضافة إلى الحذر مع قيادات ” حركة حماس ” ومغادرة بعضها .
وبات تنقّل مواكبه بشكل علني محفوفاً بالخطر ، وهو مجبر على سلوك طرق متعرّجة وطويلة في تحرّكه داخل لبنان وإلى سوريّا ومنها . لا يخفى كذلك انكفاء معظم اللبنانيّين عنه من كل الطوائف والمذاهب .
ولا يُستهان بالمشاكل السياسيّة بينه وبين حلفائه ، ولو كان مطمئنّاً إلى ارتباطهم ” الاستراتيجي ” الذي لا فكاك لهم منه . كما لا يُستهان بالشكوك التي بدأت تشوب علاقته مع المؤسّسة العسكرية على خلفيّة ما جرى في عبرا ، ومع الأمن الداخلي على خلفيّة التعرّض لوزير الداخليّة في موقع الإنفجار . حاول أن يجبر خاطر الوزير ، لكنّه كسر خاطر الدولة .
إنّ إقدامه على منع الجيش والأجهزة الأمنيّة والقضائيّة من الحضور إلاّ بعد وقت ، وامتناعه عن تسليم التسجيلات والأدلّة ، يجعلانه في موقع العداء للدولة وتثبيت تهمة فتح دولة على حسابه . وهذا يزيد عدد الناقمين عليه من اللبنانيّين ، حتّى ضمن طائفته نفسها .
وكلّ كلام عن وقوف هذه الطائفة خلفه كالبنيان المرصوص ، لم يعد دقيقاً ، فبوادر التصدّعات غير خافية ، وقبضته الحديد لم تعد فولاذيّة .
ناهيك عن القراءة الخاطئة لتطوّرات مصر ، وكأنّ سقوط تجربة ” الإخوان ” هناك يصبّ في محور ” الممانعة ” ، وهذا تبسيط ساذج يُشبه تسرّع بشّار الأسد في التهليل ، في حين أنّ تصحيح مسار ثورات الربيع العربي ينزع ذريعته في محاربة ” التكفيريّين ” .
وقد جاء المؤشّر الأوّل من سوريّا نفسها ، إذ ارتفع صوت المعارضة الوطنيّة ضدّ ممارسات المجموعات المتطرّفة تجاه السوريّين وتجاه ” الجيش السوري الحرّ ” نفسه . وهذا ليس في مصلحة النظام وإيران و” حزب الله ” .
ولا يكفي أن ينام ” حزب الله ” على حرير بعض التقدّم لمصلحة النظام السوري . فأيّ تقدّم هنا يقابله تقهقر هناك . ووصول سلاح فعّال للمعارضة كفيل بتعديل ميزان الأرض سريعاً ، وهذا ما لاحت بوادره في اليومين الأخيرين .
إنّ أسوأ ما يُصيب أيَّ جسم سياسي أو أمني هو التباهي بالصحّة الظاهرة بينما المرض ينخر في العمق .
وما يراه ” حزب الله ” علامات ارتياح وانتصار هو في الواقع مؤشّرات قلق وانكسار .
فليته يهمس في سرّه : ” لو دامت لغيرك لَمَا آلت إليك ” !