إذاً، دحض “حزب الله” أي خلاف أو تباين بينه وبين “التيار الوطني الحرّ” وأخذ على عاتقه وحده وضع الأمور في نصابها، بغض النظر إن كان وضع جنرال الرابية في أجوائها.. وإن كانت الألاعيب هذه تنطلي على البعض، فإن كلام “حزب الله” موجّه الى هذا البعض الذي صدّق قصة انفراط العقد..
فمن شدّ رباط قوى 8 آذار، هو اليوم يؤكد أن رباطه موثوق وأنه مازال ممسكا بكل قواعد اللعبة وخزعبلاتها. فبين الحزب و”التيار” كل الوئام والإلزام والإحترام والطاعة والتبعية، لأن كلام قاسم يحاول سحب تصريحات أعضاء تكتل “التغيير والإصلاح” من التداول السياسي الضيّق، لكن في المقابل هل سيتمكن من سحب التداول الإعلامي؟
إنه لأمر صعب، أن تنقلب التصريحات في “يوم وليلة” من علاقة تباين الى علاقة حبيّة.. إلا إذا كانت منذ الأساس حبيّة أو إذا ما أوجد “حزب الله” المغريات التي تجعلها حبيّة.. والإحتمالان صائبان: فالأول يؤكده التاريخ الذي يقصّ الظروف التي عادت بالجنرال من باريس الى لبنان بعد الإجتماع الذي جمعه هناك بشخصيات لبنانية وسورية نافذة في شهر كانون الأول من العام 2004.. في ذلك التاريخ بدأت قصة الحبّ التي كان فيها “التيار” ركنا من أركان قوى 8 آذار، لا بل من مؤسسيها..
أما الإحتمال الثاني، فيؤكده كلام قاسم: “إن “حزب الله” و”حركة أمل” و”التيار الوطني الحر” اتفقوا بطريقة حبية هادئة منذ تسمية رئيس الحكومة المكلف تمام سلام أن يذهب كل طرف من الاطراف الثلاثة ويناقش سلام بالحصة والحقائب لوحده”. وبالعودة الى مرحلة ما بعد تسمية سلام التي تمّت بطريقة هادئة من دون مشاركة رئيس تكتل “التغيير والإصلاح” النائب ميشال عون، يتّضح أن الفريق الثلاثي اتّفق على تعطيل مرحلة ما بعد التسمية وقد نجح في ذلك بعد مرور 4 أشهر تقريبا على اختياره لتشكيل الحكومة. فقد سهّلت “ترويكا” التعطيل التسمية لأنها في المقابل اتّفقت، بطريقة “هادئة وحبيّة”، على تعطيل كل ما يلي التسمية.
فالمناورة التي قامت بها أحزاب قوى 8 آذار، كانت تحتوي على خطط عديدة، كلّما فشلت خطة اعتمد الفريق المعطّل خطة اخرى الى أن تنفد كل الخطط وتصبح خارج اللعبة السياسية. فخطة “حصرية” الوزارات لم تنجح لأن رئيس “اللقاء الديموقراطي” النائب وليد جنبلاط كان في المرصاد، وخطة دعم “التيار” للنظام السوري وبشار الأسد لم تأتِ بنتيجة لأن الأسد غارق في بحر دماء شعبه، وخطة التلهّي بالبواخر ومشاريع السدود خصوصا منها ذات التمويل الإيراني وكهرباء الباخرة التركية “المعطّلة”، أثبتت فشل كل الخطط.. ولما كانت كل أوراق قوى 8 آذار تنفد، فلا بأس بالإحاطة بالعلاقة التي تجمع الأحزاب.
يطمئن قاسم بأن علاقة “حزب الله” بعون “مازالت كما هي علاقة تفاهم اكيدة وراسخة، وخاصة انه اعلن مراراً وتكراراً كما اعلنا نحن أن لا نقاش في القضايا الاستراتيجية”.. هكذا يقطع “حزب الله” الطريق على عون بالإعتراض، حيث لا يمكن التنكّر للإعتراضات التي ساقها عون عبر الإعلام على تدخّل “حزب الله” في سوريا، وإن تصريح قاسم يؤكد أن تلك الإعتراضات صحيحة وإن بنسبة واحد بالمئة.. لأن القاضي حكم بأن “لا نقاش في القضايا الإستراتيجية”!
إذاً، شاء الجنرال أم أبى، فإن عليه أن يكون مؤيدا لتدخل “حزب الله” في سوريا، لأن “حزب الله” يحصر النقاش في “الموضوعات الداخلية” بحسب قاسم. والواضح من هذا الكلام بأن “حزب الله” يشترط الإتفاق الإستراتيجي بينه وبين الجنرال لينال كل ما يصبو إليه في الداخل، أو بطريقة أخرى، فإن دعم الطرف المسيحي للمحور الإيراني- السوري استراتيجياً هو البوابة لتبوّئه المناصب الداخلية التي يحفظها له “حزب الله”.
ويؤكد قاسم هذه الإفتراضات، حين يلفت إلى أن “بعض التصريحات التي صدرت كانت انفعالية من بعض الاشخاص وتم سحبها من التداول”.. وأراد بذلك القول إن أي اعتراض على أي موضوع استراتيجي أو داخلي لن يصدر عن أي مسؤول من “التيار الوطني الحرّ”، وليس بمبالغ فيه القول إن كلام “حزب الله” هذا يهدف، إعلاميا، الى التهدئة من فورة الجنرال الذي لا يريد من كل هذه الخطط “الفارطة” سوى الكراسي، ربّما تمهيدا للقاء هادئ تكلله “المحبّة” أو ربّما لضبط الإيقاع وتوفير زيارة معروفة نتائجها مسبقا..