سعى رئيس «جبهة النضال الوطني» النائب وليد جنبلاط ولا يزال منذ تكليف الرئيس تمّام سلام، وبكلّ ما أوتيَ من قوّة، إلى المساعدة على تأليف حكومة تُرضي الجميع ولو بالحدود الدنيا.
غير أنّ هذا المسعى فشل حتى الآن نظراً إلى التعارض بين مواقف مختلف الأطراف التي يفترض أن تتكوّن منها الحكومة السلامية إلّا أنّ جنبلاط ومعاونَيه في مسعاهم للمساعدة في التأليف، وعلى رأسهم الوزيران غازي العريضي ووائل أبو فاعور كانوا على إقتناع تام، ومنذ البداية، بالعقبات التي اعترضت ولا تزال تأليف الحكومة، لكنهم استمرّوا في المسعى نزولاً عند رغبة “البيك” لعلّهم يستطيعون التقاط اللحظة الإقليمية المناسبة، وليس المحلية بطبيعة الحال، ويوفّقوا في المساهمة المنشودة.
المسعى الجنبلاطي في الأساس، وبغضّ النظر عن المصلحة الوطنية العامة التي يعمل من أجلها سلام وجنبلاط بغية إنضاج تشكيلة وزارية مقبولة ومعقولة في هذه الظروف، نابع من قلق الزعيم الدرزي وخوفه مما ينتظر البلد وسط تداعيات الحريق السوري واستمرار “حزب الله” العلني في القتال الدائر هناك، وتردّداته المذهبية على لبنان، خصوصاً بعد معركة القُصير وأحداث عبرا الأخيرة، وما سبقها وتلاها من حوادث في طرابلس وعرسال.
هل من جديد في المسعى الجنبلاطي؟
المعلومات تشير إلى أن لا جديد على الإطلاق، على رغم الاجتماعات المكثّفة التي عقدها سلام في بحر الأسبوع الجاري، مع كلّ من الوزير جبران باسيل موفداً من رئيس تكتل “التغيير والإصلاح” النائب ميشال عون، وأبو فاعور موفداً من جنبلاط.
إلّا أنّ المعلومات نفسها تشير إلى أنّ جنبلاط بات يقف على حافة الهاوية من الجانبين، أي جانبَي فريقي 8 و14 آذار، وهو لا يقرّر… ولا يستطيع التقدّم الى الأمام، أو التراجع إلى الوراء، وبات عالقاً في الوسط، في انتظار انفراج ما يتوقعه على الخط السعودي – الإيراني آملاً في اقترابه قبل أن تهبَّ رياحٌ ما تقتلع ما تبقّى من هيبة لمؤسّسات الدولة وتأخذ كلّ المساعي بين أدراجها.
الخوف والقلق اللذان ينتابان جنبلاط منذ فترة ليست بقصيرة، يفسّران إلى حدٍّ كبير مواقفه الأخيرة التي تُعبّر تعبيراً حقيقيّاً وواقعياً عن الأزمة المتفجّرة والمفتوحة بين فريقي 8 و14 آذار، بغضّ النظر عن إقتناعه الشخصي المتعاطف مع قوى “14 آذار” في الجوهر من دون الأسلوب.
فجنبلاط ضدّ انزلاق سلاح “حزب الله” إلى الداخل اللبناني على رغم معرفته الدقيقة بأنّه لا يستطيع منع هذا الانزلاق ولا إيقافه حتى، خصوصاً بعدما تخطّت وجهة هذا السلاح الحدود اللبنانية، وبات الحزب شريكاً أساسياً في المعارك الدائرة في سوريا.
وجنبلاط أيضاً ضدّ التهجّم على الجيش كمؤسّسة ضامنة للاستقرار في البلاد مع تبنّيه إجراء تحقيق شفّاف في أحداث عبرا الأخيرة. وهو يدعم الرئيس المكلف في تشكيلة “8+8+8” الوزارية، ويرفض “ثلث التعطيل” لفريق “8 آذار” داخل الحكومة، في وقت يصرّ على عدم المشاركة في الحكومة من دون “حزب الله” المتمسّك بدوره بالثلث المعطل في أيّ تشكيلة منتظرة.
وعلى هذا المنوال، تُعبّر مواقف جنبلاط عن حجم الأزمة التي يعيشها لبنان واللبنانيون بمختلف انتماءاتهم وأهوائهم، وهي في الخلاصة، إن دلَّت على شيء، فعلى حجم التخبّط الذي تعيشه القيادات السياسية، وعلى حجم التناقضات التي تتحكّم بمواقفهم التي أدّت إلى إلغاء الانتخابات النيابية والتمديد لمجلس النوّاب، وفرط عقد المجلس الدستوري وضرب هيبته، وهيبة الدولة ككُل، وإلى تطيير جلسة التمديد للقيادات الأمنية وعلى رأسهم قيادة الجيش ورئاسة أركانه والمديرية العامّة لقوى الأمن الداخلي، وإلى ما هنالك من قضايا مختلَفٍ عليها، ما يطرح سؤالاً أساسيّاً في هذا الإطار وهو: كيف لكلّ هذه التناقضات والاختلافات أن تنتج حكومة تجتمع تحت سقف وطن واحد موحّد لجميع أبنائه؟!