كتبت مي عبود ابي عقل في صحيفة “النهار”:
أشهر تمرّ والبلد من دون حكومة، معلق بين تصريف الاعمال والتكليف، فيما يعبر والجوار في مرحلة تاريخية دقيقة وعاصفة، تحتم وجود دولة ومؤسسات قادرة على اتخاذ قرارات واجراءات تحميه وتصون وحدته واراضيه. لكنه في حال موت سريري، وقد يكون القصد شله.
خطر التفجيرات والفراغ الدستوري والمؤسساتي صار واقعاً، فمن ينقذ لبنان منه؟ وهل قدر الرئيس ميشال سليمان اطفاء الحريق المشتعل، وابتكار الحلول دائماً، او الانتظار حتى تجمع المصيبة الأفرقاء فيتفقوا على مضض؟ في لقاء مع “النهار”، يعرض وزير البيئة ناظم الخوري معطيات الاحداث وهواجس اللبنانيين والحلول المطلوبة.
■ ماذا يعني ان تصل التفجيرات الى عرين “حزب الله”؟
– فرضت المتغيرات في المنطقة ان يصبح لبنان ساحة داخلية للمشاكل العربية. في السابق كان الخوف محصوراً بالعدو الاسرائيلي لاحداث تفجيرات ومحاولة النيل من “حزب الله”. لكن بدأ الخطر بعد انخراط الحزب بشكل واضح في الصراع السوري الداخلي، واعلان السيد حسن نصرالله انه جزء من المعركة في سوريا، الناشبة بين النظام اطراف المعارضة المتعددة والمتشعبة على الصعيدين السياسي والمذهبي، وهنا في الداخل ثمة انقسام حاد ويأخذ ايضاً الطابع المذهبي السني- الشيعي. بالنسبة الينا كان منتظراً ان تحصل خروق، وتكون الساحة الداخلية مكشوفة ومفتوحة على كل الاحتمالات ولاسيما هذه التفجيرات التي أخشى أن تطال كل الاراضي اللبنانية. وما حصل في بئر العبد ليس الا رسالة، لكن يجب ان نأخذ العبرة.
■ ما هي هذه الرسالة؟ وممن؟
– يمكن ان تكون من اسرائيل، او من منظمات اصولية في الداخل السوري تريد توجيه رسالة الى “حزب الله”، لكونه أصبح فريقاً هناك. لكن الامر لن يقتصر على الحزب، وهذا ما يجب ان نفهمه.
■ ألا ترى خطورة في وصول التفجيرات الى مناطق كانت لا تخرق؟
– لا مكان في العالم لا يمكن خرقه أمنياً عندما توجد النية للتفجير بهذه الطريقة، وخصوصا عندما يكون هناك انقسام كما هي الحال عندنا، أي في دولة ووضع عام غير محصن. وهذا ما يجب العمل عليه، أي تحصين الوضع الداخلي بالعودة الى الحوار وتوحيد وجهات النظر.
لقد برهنت سياسة النأي بالنفس انها السياسة الحكيمة للدولة. اريد ان اسأل الأفرقاء: اذا ربح النظام في سوريا، ماذا سنربح نحن في الداخل غير المزيد من الانقسام؟ اذا كان الامر ربحاً لـ”حزب الله” في سوريا، وانا لا اعتبره كذلك، فهل سيربح في لبنان؟ قطعاً لا. وهل ينعم لبنان بالاستقرار؟ ايضاً لا. ما يهمني هو استقرار بلدي، وهذا الربح لن يجلب الاستقرار الى لبنان. والعكس ايضاً صحيح، اي ان الأفرقاء الآخرين الذين يحاربون النظام السوري لن يفيدوا لبنان، حتى اذا ربحت المعارضة السورية، في ظل المعادلة الحالية. الوحدة اللبنانية الداخلية هي الدعامة الاكبر لسوريا، لبنان القوي هو الدعامة الوحيدة لسوريا، ويمكن اللبنانيين ان يؤدوا دوراً توفيقياً ومقرباً ومعتدلاً. وما يقومون به اليوم ينعكس سلباً وضرراً على الوضع اللبناني واستقرار البلد.
■ ألا تزال مظلة الحماية الدولية تغطي لبنان؟ وماذا حمل الموفدون الدوليون؟
الموفدون الدوليون يأتون لاستكشاف الاوضاع، ولم يقدّم أحد منهم طروحات أو تصورات جديدة. ولكن تجدر الاشارة من ناحية ثانية الى بيان مجلس الامن الاخير الذي صدر بالاجماع، ويؤكد دعم المجتمع الدولي لاستقرار لبنان وسياسة رئيس الجمهورية ونهجه. هل يعقل ان يكون المجتمع الدولي مهتما باستقرار لبنان وأمنه، وداعما لرئيس جمهوريته، والأفرقاء اللبنانيون منقسمون ولا يستفيدون من هذا الدعم؟ النيات حيال لبنان جيدة جدا على الصعيد الدولي، ولكن ما هي قدرات هذه الدول على ترجمة نواياها افعالاً على أرض الواقع؟ هنا السؤال. لكن الاكيد ان لا شيء يحصّن الواقع اللبناني الا اللبنانيون أنفسهم.
الحكومة والخط الاحمر
■ ما الذي يؤخر تشكيل الحكومة رغم ما يقوله الأفرقاء عن دعم وتسهيلات يقدمونها؟
– كيف يمكن تفسير الاجماع على تكليف تمام سلام، وعدم تمكينه من تشكيل حكومة؟ كفاية الرئيس سلام ووطنيته واعتداله امور معروفة، فاذا كان شخص بهذه المواصفات لا يتمكن حتى الآن من تشكيل حكومة، فمن يستطيع؟ المشكلة هي في الأفرقاء السياسيين والشروط التعجيزية التي يضعونها، وعدم نية التنازل عند أي فريق، وكل واحد يريد ان يربح على الآخر، كل هذه الامور تجعل الطريق مسدوداً امام تشكيل حكومة تمثل الجميع. والخطر اليوم يكمن في بلوغنا مرحلة الفراغ القاتل. الهامش الموجود بدأ يستنفد، فإلى متى يمكن البقاء على هذه الحال؟ أصبحنا في وضع الخطر، وعلى الجميع تقديم تنازلات والعودة الى الثوابت. يجب ان يكون هناك سقف لبناني يعمل الأفرقاء تحته لمصلحة وطنهم العليا، ولا أرى ذلك لدى أي منهم.
■ في ظل تصلب الفريقين، هل يبقى رئيس الجمهورية من دون حكومة في آخر عهده؟
– بالطبع لا. والمطلوب حصول التحرك لعدم الوصول الى الفراغ القاتل الذي يعتبر خطاً أحمر. بالتأكيد سيصل الرئيس المكلف الى اقتناع معين، ويتشاور مع رئيس الجمهورية للخروج بشيء مقبول في المرحلة الراهنة. لكن متى؟ ليس الى ما لا نهاية، الحكومة مطلوبة وضرورية، ولا يمكن البقاء على هذه الحال الى ما لا نهاية.
■ هل يقبل رئيس الجمهورية التوقيع على حكومة لا تضم كل الاطراف، في حال فشل الأفرقاء في الاتفاق على حكومة وحدة وطنية؟
– من ثوابت الرئيس الدعوة الى حكومة وحدة وطنية، وهذه نيات الرئيس المكلف ايضاً، وإلاّ كانت تشكلت حكومة الامر الواقع منذ زمن. ولكنهما يعطيان وقتا للوقت، حتى يستنزفا كل الجهود. ولكن في النتيجة هناك مسؤوليات تقع على عاتق كل منهما، والضرورات تحكم.
■ لكن هذا الوقت يأكل من وقت الرئيس؟
– ما يهمّ الرئيس هو جمع كل الأفرقاء، وبقدر الامكان، على الثوابت الوطنية. هذا نهجه السياسي، ومن هنا كان “اعلان بعبدا”. الأفرقاء السياسيون الذين التزموا هذا الاعلان عندهم سقف، وتحت هذا السقف يحصل تشكيل حكومة. الحكومة اليوم ليست قصة وزارات وحقائب، تحول بعضها ملكية خاصة ومحميات محصورة ببعض الاطراف والمذاهب.هذا لا يجوز. كل هذه الامور يجب أن تتخطاها المعادلة التي على أساسها يصير تشكيل الحكومة. لكن قطعا هناك حاجة ماسة الى تحريك الوضع وتشكيل حكومة. ما يحصل في لبنان اليوم يتنافى والاصول الديموقراطية، والازمة الحاصلة تؤكد وجود مأزق في النظام اللبناني تحتم اعادة النظر فيه، وحتى الدستور في حاجة الى تفسير، كل مرة نكون امام استحقاق تطرح عشرات الاجتهادات حوله، فلنفسره اولا لنرى ماذا يجب ان نعدل فيه. كذلك ليس لدينا آلية لحل الازمات في لبنان.
■ هل يدعو الرئيس مجدداً الى طاولة حوار، تعوّض عدم القدرة على تشكيل حكومة او تساعد في هذا الاتجاه؟
– هو داعية دائم الى طاولة الحوار، هذا نهجه. تتلازم “هيئة الحوار” في لبنان مع نهج الرئيس سليمان وحكمه، وفي المعادلة اللبنانية يتلازم الحوار مع تركيبة البلد. والرئيس هو الذي يرى التوقيت الملائم للدعوة الى طاولة الحوار، وهذا الامر مطلب اليوم، وحاجة وليس ترفاً او خياراً.
“حزب الله” وعون
■ كيف هي علاقة الرئيس مع “حزب الله” الذي لم يلبّ دعوته اليه الى الانسحاب من القتال في سوريا وتحييد لبنان وعدم استخدام سلاحه الا بأمرة الدولة؟
– العلاقة قائمة ومستمرة وليست سيئة. الوضع حساس. يكرر الرئيس دعوة “حزب الله” الى الانسحاب من سوريا بشكل صريح لانه من دعاة سياسة النأي بالنفس، والحكومة الحالية التي يشكل “حزب الله ” مكونا اساسيا فيها، تعتمدها. وفي هذا الامر يجب ألا يعتبر الحزب أن هناك خلافاً مع الرئيس. اذا هم لم يلتزموا هذه السياسة لاسباب خاصة، فلا ينبغي ان يرتد الامر خلافا بينهم وبين رئيس الجمهورية الذي بقي ثابتا على موقف كانوا هم يلتزمونه وعدلوا. اما بالنسبة الى السلاح، ففي رؤيته للاستراتيجية الدفاعية طرح الرئيس ان يكون السلاح بأمرة الجيش اللبناني، ولكن على مراحل، لانه يعرف ان الواقع يحتّم الاخذ في الاعتبار وجود عدو اسرائيلي وضرورة المقاومة، ومن هنا اتمنى ان يحافظ “حزب الله” على الاجماع على دوره كمقاومة، الامر الذي بدأت ترتسم حوله اليوم علامة استفهام عند شريحة كبيرة من الشعب اللبناني لا يمكن التنكّر لها، والدعوة الضرورية للعودة الى الداخل اللبناني لتمكين قاعدته الداخلية، لانه اذا تمكن من ربح الحرب في سوريا والعراق والاردن، وكان ضعيفا في لبنان فهو لن يستمر، وسيفقد دوره كمقاومة ضد اسرائيل دفاعا عن الارض اللبنانية.
■ كيف تفسر الحديث اليوم عن تمايز بين قوى 14 آذار و”التيار الوطني الحر”؟
– العماد عون قال “نحن لا نختلف بالاستراتيجية، واستراتيجياً نحن حلفاء”. الشيء الاهم في السياسة هو الاستراتيجية، وليس التكتيك الذي يعطي كل طرف هامشاً يمكنه ان يناور في اطاره، وهذا مفهوم ومقبول في السياسة. واذا لم تتغير العلاقة الاستراتيجية، فهذا يعني ان الحلف لا يزال قائما.
■ ما سر انعطافة العماد عون نحو رئيس الجمهورية الآن؟
– لا أرى سبباً ليكون العماد عون بالاصل بعيدا عن رئيس الجمهورية. ما استغربه هو لماذا لم تكن العلاقة على هذا النحو من قبل؟ ما المبررات؟ رئيس الجمهورية لا يتنافس معه في حملة انتخابية، ولا مطالب عنده. العماد عون قال انه يريد انتهاج سياسة الانفتاح على الجميع، وكانت هناك مناسبة اجتماعية في القصر الجمهوري فحصل اللقاء. آمل ان يستمر هذا الوضع. وكل لقاء محبّذ وايجابي.
■ هل الرئيس مع التمديد لقائد الجيش؟
– نعم، وليس فقط لقائد الجيش، بل لمراكز أمنية أخرى. والامر بالنسبة اليه مبدئي، ومشروعه منذ كان قائداً للجيش رفع سن التقاعد للعسكريين، اذ يعتبر انه يجب الافادة من خبرات القياديين عند الوصول الى سن معيّنة. ويرى كذلك انه ليس لائقا ان يعين قائد جيش قبل اشهر فقط من انتخاب رئيس جمهورية جديد، الذي يقول العرف انه يختار قائداً جديداً في اول عهده.