ساهم حادث التفجير الذي وقع في بئر العبد في الضاحية الجنوبية يوم الثلثاء الماضي في تظهير واقع يفترض ان يشكل، وفق مراقبين سياسيين، مثار قلق لدى “حزب الله” نسبة الى المواقف السياسية وفي مقدمها موقف رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان الذي عبر عن ادانته للتفجير بالتزامن مع دعوته الى “اهمية وقف التدخل في سوريا، لأن لا مصلحة للبنان في ذلك”، في اشارة الى خلفية التفجير وأسبابه وتالياً المتسببين به. تضاف الى ذلك المواقف الاعلامية التي اعتبرت تدخل الحزب في الحرب السورية سبباً مباشراً لما حصل. فعلى رغم الادانة الواسعة والشاملة للتفجير من الجميع، لقيت الاسباب المباشرة التي عزيت الى تدخل الحزب في الصراع السوري مجالاً واسعاً للتعبير، مما خرق التعاطف الداخلي السياسي والشعبي والذي عبّر عنه توزيع الحلوى في طرابلس الذي لقي استهجاناً كبيراً. كما سجلت على الهامش مواقف معبرة ضد وزير الداخلية وقوى الامن الداخلي وهتافات ضد الجيش هددت التعبئة التي كان يقودها الحزب ضد خصومه وتوظيف انتقاداتهم على ما جرى في عبرا من خلال اتهامهم باضعاف الجيش اللبناني او الدولة. لذلك رأى كثر انه تمت المسارعة الى طي صفحة هذا التفجير في وقت اسرع مما هي العادة في حوادث مماثلة، علماً ان الحزب بدا منشغلاً في الايام العشرة الاخيرة، وفق ما عبر مسؤولوه، في لملمة شظايا اهتزاز التحالف بينه وبين التيار العوني الذي لم يتحمل شعبياً وطأة توريط الحزب لبنان في الحرب السورية واحتكار القرار السياسي للبنان فيما لا علم للتيار ولا خبر ومطلوب منه تغطية الحزب ولو ان زعيم التيار حولها اعلامياً الى خلافات داخلية صغيرة حول التمديد لقائد الجيش او للمجلس النيابي، ولم يثر علناً الاحراج الكبير له في تغطية التدخل العسكري للحزب في سوريا وعدم وجود رأي للتيار في اضطراره الى تغطية ذلك ايضاً. فتوقيت التمايز والابتعاد بدا محرجاً للحزب في انزلاق آخر غطاء سياسي ممكن له في الداخل ومع اتساع شقة الخلاف مع المكونات السياسية الاخرى في البلد. إلاّ ان حادث التفجير الذي شكل بالنسبة الى بعض المراقبين انكشافاً من جانب الحزب لجهة اختراق منطقة من مناطق سيطرته المحمية جيداً، شكّل في الوقت نفسه انكشافاً له على الصعيد السياسي ايضاً لجهة تحميله مسؤولية استدراج ردود فعل عنيفة ضمن بيئته أولاً، وفي لبنان كله ثانياً، في الوقت الذي يفرض شروطاً من اجل تأليف الحكومة العتيدة تستند الى “تجميد” مفاعيل مكتسباته السابقة على الصعيد السياسي غير آبه بالتطورات الاقليمية التي فرضت تغييرات جمة وغير آبه ايضاً بواقع انه ساهم في اطاحة المرتكزات التي قامت عليها الاتفاقات السياسية التي وفرت له هذه المكتسبات كاتفاق الدوحة مثلاً، حين اطاح حكومة الرئيس سعد الحريري مثلا او ساهم في تأليف حكومة من فريق واحد. والسؤال الاساسي الذي تبادر الى الاذهان بالنسبة الى وضع الحزب هو هل يمكن ان يحفزه حادث التفجير والمخاطر التي حملها نحو تسهيل تأليف حكومة تخفف الاحتقانات المتفاعلة؟ ثم كيف يمكن ان يرى الحزب نفسه تبعاً لهذا التطور الاخير في حال وقعت مواجهة بينه وبين اسرائيل التي يمكن ان تستغل انغماسه في الحرب السورية وعدم قدرته على فتح جبهة اخرى الى جانب الجبهة التي يدعم فيها النظام السوري وفي ظل افتقاده الى الغطاء اللبناني في غياب اي ظهير داخلي داعم له واي دعم خارجي ايضا كما في العام 2006 التي صادفت ذكراها السنوية قبل يومين؟
فالنقطة الايجابية الوحيدة التي يضمن الحزب من خلالها عدم تزايد المواقف العدائية ضده خارجياً على نحو واسع او حتى ترجمة هذه العدائية هو، الى جانب تركز الانظار على مواقع أكثر حساسية وخطورة كمصر وسوريا مثلاً، اصراره على عدم الوقوع في فتنة مذهبية وتهديده الاستقرار الداخلي ربما لانشغاله في الحرب السورية او للخطر الذي يستشعره على استمرار سلاحه “كمقاومة” بات يجهد لتسويقه على انه لا يزال كذلك، خصوصاً بعد تدخله في سوريا وتوسع اهداف هذا السلاح في اتجاه غير مواجهة الاحتلال الاسرائيلي ولخدمة طموحات اقليمية للنظام السوري وايران. يضاف الى ذلك حرصه الكلي على هدوء جبهة الجنوب ضد اسرائيل مما يكفل له تعاطياً دولياً حذراً ومتحفظاً حتى الآن وعدم الضغط في اتجاه تأليف الحكومة مثلاً او أي من الاستحقاقات في حال جاز القول بنجاح الضغوط الخارجية بعد حال الارتباك التي تواجه الغرب ازاء تطورات المنطقة وكيفية التعامل معها.
تتناقض تبعاً لذلك التوقعات. فهناك اوساط ديبلوماسية تخشى وعلى نحو غالب ان لا يشهد لبنان حكومة في المدى القريب نظراً الى ان ما يحصل في المنطقة هو في حال تطور وصيرورة ومن الصعب ان يشهد لبنان قياساً على الحسابات المعتمدة وانتظار بلورة اتجاهات الامور حكومة تساهم في ادارة الوضع، خصوصاً ان لبنان لا يبدو بعيداً عن حال الصراع القائمة في المنطقة ولو بحرب باردة، اذا صح التعبير، ومن دون الانتقال الى حرب اهلية في الشوارع. فهذا العامل يبدو مكسباً قيماً بالنسبة اليه لما يعتبره البعض عدم وجود قرار اقليمي او دولي باهتزاز الاستقرار او بحصول حرب داخلية حتى الآن. والبعض يكاد يجزم من المسؤولين المحليين وعلى ما توقعوا منذ انطلاق الازمة السورية بأن يتم التمديد لمجلس النواب خشية تغيير الستاتيكو القائم واضعاف المحور الايراني السوري، ان تستمر المراوحة وصولاً الى اطاحة موعد الانتخابات الرئاسية في الربيع المقبل وفق الخشية التي يعبر عنها بعض المراجع الرسمية. وقلة قليلة لا تزال ترى وجود مصلحة للحزب في ضوء تطور هذه المعطيات في تسهيل تأليف الحكومة العتيدة في وقت ما قريبا نظرا الى الكلفة الباهظة التي تترتب على الحزب اذا استمر ظهره مكشوفاً بالتزامن مع طول الحرب في سوريا، خصوصاً ان الذرائع التي يرفعها تبدو سطحية، اذا صح التعبير، لجهة الثلث المعطل في انتظار توضيح ما اعلنه رئيس مجلس النواب نبيه بري في هذا الاطار.
تفجير بئر العبد لم يبدِّل الوقائع السياسية رهان لم يسقط بعد على تسهيل الحزب للحكومة
المصدر:
النهار